أفق
ليس للحرب حقيقة
آخر تحديث:الثلاثاء ,17/01/2012
محمد ولد محمد سالم
الشك أو عدم اليقينية هو الخيط الناظم لرواية “مطر حزيران” للكاتب اللبناني جبور الدويهي، حيث تروي بشكل استرجاعي حكاية مجزرة حدثت في سنة 1957 في إحدى قرى لبنان، كان سببها مواجهة بين عائلتين كبيرتين تسعى كل منهما لبسط نفوذها على المنطقة .
تأتي الأحداث في معظمها من خلال شخصية “إليا” الذي عاد للبحث عن حقيقته بعد أن أذهبت الحرب كل حقيقة، فقد قضى أبوه في المجزرة بعد سنوات من زواج لم ينجب فيها، وجاء هو متأخراً بأسبوع عن تسعة أشهر من وفاة والده ما فتح الباب أمام شكوك الناس في نسبه، يهاجر هذا الشاب بتدبير من أمه إلى أمريكا، لكن حياته الأولى في القرية وما كان يرميه به الأطفال في نسبه أثر في شخصيته، فنمى فيه حب اختراع القصص حول نسبه وعائلته، ولم يكن يستقر على حالة واحدة، كذلك هي حالة حبه وصداقاته، فما كان يأنس في علاقة حتى يقطعها بسرعة .
يقرر إليا فجأة أن يعود إلى قريته لرؤية أمه التي قضى خمساً وعشرين سنة بعيداً عنها، ونيته الحقيقية هي البحث عن حقيقة أبيه وحقيقة تلك الحرب التي طحنت قريته والقرى المجاورة له، وأثناء بحثه ينقسم الناس حول والده بين من يعتبره بطلاً شهيداً وبين من يعتبره مجرد رجل عادي مات في مواجهة لم يشارك فيها، كذلك الحال في الحرب التي فشل في تحديد بداية شرارتها الأولى، وفي النهاية لا يقف إليا على كل ذلك من شيء، ويكتشف فظاعة ما أحدثته تلك الحرب من قتل وتشريد لعشرات الأبرياء، فيقرر العودة إلى أمريكا، كأنه يريد أن يتخلص من كل شيء يمت بصلة إلى ذلك الماضي .
لم يقف إليا على حقيقته ولا حقيقة والده، ولا حقيقة الحرب، فليس للحرب حقيقة، ولا بداية مقنعة، ليس لها سوى أنها تدمر العباد والبلاد، وتترك جروحاً غائرة في الأنفس، هذا هو ما توصلنا إليه رواية “مطر حزيران” بعد مسيرة طويلة من البحث استعان فيها الكاتب بتقنيات فنية كثيرة، منها تعدد الأصوات فهو لم يقتصر على مبدأ الراوي العليم ولا على الشخصية الرئيسة وحدها، بل ظل يراوح بين شخصيات متعددة منها من شهد الحادثة ومنها من جاء بعدها، وقد أعطته تلك التقنية حرية في التحرك، كما استعان بتقارير القضاء والمؤرخين والصحافة، ما يدل على الجهد الكبير الذي بذله في عمله، لكن يؤخذ على الدويهي أنه في بعض الأحيان يستعين ببعض الأصوات التي لا يتبين القارئ علاقتها بالأحداث والتي لا تقدم أي جديد في تحريك العقدة والأحداث نحو النهاية، كما أن الرواية ستكون أكثر إحكاماً لو اقتصرت على بحث إليا عن حقيقة تلك الحرب وتوسعت فيه، دون اللجوء إلى أصوات شخصيات أخرى لأن الرواية بالفعل هي رواية عن تلك الشخصية .
Dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/f5ecc24b-6bdd-457a-8ecf-5679c8b953e6.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق