بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 9 مارس 2012

طبائع الاستبداد

أفق
طبائع الاستبداد
آخر تحديث:الأحد ,12/02/2012
محمد ولد محمد سالم
عندما وضع عبدالرحمن الكواكبي كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” كان يقدم جواباً على واقع عربي إسلامي متخلف، كما شرح ذلك في مقدمته، وقد اتسم ذلك الواقع بتراجع في شتى ميادين الحياة، ونشط المفكرون والكتّاب في البحث عن جواب على أسباب ذلك التقهقر والفساد، الذي تعيشه بلادهم، وكان للقضية زخم كبير في مصر التي اتخذها الكواكبي مقاماً، فكانت الصحف تمتلئ بالكتابات التي تعالج تلك المسألة، ما حرّض الكواكبي على الإسهام بكتاباته هو الآخر في البحث عن سبب وتقديم علاج لهذه المسألة الشائكة .
خلال بحثه على مدى ثلاثين عاماً صدر بحكم قاطع وهو أن “قد تمحّض عندي أنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي، ودواؤه دفعه بالشّورى الدّستورية”، وعرف الاستبداد بأنه غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، أو الاستقلال في الرّأي وفي الحقوق المشتركة” .
تبعاً لحكمه ذلك تناول الكواكبي مسألة الاستبداد في مظاهرها وانعكاساتها في جميع المجالات، في الناحية السياسية وما يجره على المجتمع من ويلات حين يسلب الناس حقوقهم في العمل والممارسة السياسية، والتعبير عن الرأي ويرتّدون إلى ذواتهم مما يدمر فكرهم وطموحهم، وفي الاقتصاد حيث يدمر البنية الاقتصادية، ويحيل المجتمع إلى الفقر مهما كانت ثرواته، وقدراته الاقتصادية، وفي التعليم حيث يعمل الاستبداد على تجهيل الإنسان، ويغرس فيه ثقافة واحدة هي ثقافة الخضوع والولاء وعبادة الرمز، وفي الفن والأدب حيث تموت الأفكار الإبداعية ويصمت صوت الفن الخلاق اتقاء لشر الطاغية، وتنحسر آفاق التجديد فيه، وينعكس كل ذلك على المجتمع الذي يسير إلى الوراء ويتجه نحو هاوية التفكك وذهاب القيم ويستشري فيه الفساد .
هذه الصورة التي رسمها الكواكبي لأثر فعل كهذا، سوف تقابل بصور للمستبد في نهاية القرن الماضي، وبداية القرن العشرين تعيد البشاعة نفسها وتشكل بالكاريكاتير البائس للاستبداد الذي رسمه قلم الكواكبي، وذلك عن طريق فنان كاتب آخر هو عدنان فرزات الذي قدم أشكالاً كاريكاتيرية متعددة لصورة المستبد، يظهر فيها وجهه وشكله بوضعيات مختلفة، فيها الكثير من القبح والكراهية، تجسيداً لذلك الطابع التدميري الشامل في شخصه، الذي ينعكس أول ما ينعكس على شخص الطاغية نفسه، فينزع عنه كل أسباب الجمال ويحيل صورته إلى غاية البشاعة .
من المصادفات أن كلاً من الكواكبي وفرزات عايش الاستبداد وانكوى بناره ودفع حياته ثمناً لنضاله ضده، فمات الكواكبي مسموماً في مصر سنة ،1902 بسبب معارضته لظلم وطغيان الولاة العثمانيين في الشام وكتابته ضدهم، وضربت يد فرزات بسبب معارضته للاستبداد ومناصرته للثورة على الظلم، وتلك هي على كل حال ضريبة الفكر، والفن العظيم حين يتصدى صاحبه للتغيير وينشط في البحث لمجتمعه عن أفق حياة أجمل وأفق من الحرية أرحب .
dah_tah@yahoo।fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/96d1717d-5734-480c-a021-98442e31be6e.aspx

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق