أفق
مجتمع القراءة
آخر تحديث:السبت ,28/01/2012
محمد ولد محمد سالم
يتوقع أن يكون مجموع الإصدارات الروائية في فرنسا خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط من هذا العام 480 رواية، حسب ما أعلنته مؤسسات النشر الفرنسية، وهو موسم الدخول الأدبي كما تسميه الأوساط الثقافية الفرنسية، حيث يتسابق القراء إلى اقتناء أهم الكتب التي سيقرأونها خلال السنة، وتكشف هذه الكمية في جنس الرواية وحدها، وخلال تلك الفترة القصيرة أهمية ورسوخ ثقافة القراءة في المجتمع الفرنسي، فبعد عقود طويلة من ظهور التلفزيون وأخرى من ظهور الإنترنت، ما زال الفرنسيون يحرصون على اقتناء الكتاب وقراءته، وما زالت عادة القراءة أثيرة لديهم، وهي ظاهرة لا تقتصر على فرنسا وحدها، بل تعم أوروبا وأمريكا واليابان والصين وأجزاء كثيرة من العالم، لكنها تغيب في الوطن العربي، ويتساءل المرء ما الذي يجعل وطننا العربي هو الوحيد الذي لا تروج فيه عادة القراءة؟
هنالك عوامل كثيرة يمكن أن يعزى إليها فشل المجتمعات العربية في ترسيخ عادة القراءة لدى أبنائها، منها أن الحكومات التي تسلمت القيادة بعد الاستقلال ركزت على التعليم وبرامجه من دون أن تركز على العمل الثقافي العام المتعلق بالمجتمع، وهو إقامة مؤسسات ثقافية تدعم القراءة وتسعى لترسيخها لدى كل الفئات، كما أن الكتاب لم يحظ بدعم ولم يبذل أي جهد يذكر في سبيل تعميمه، وجعل سعره متاحاً في متناول القارئ البسيط، فظل الكتاب عزيز المنال، لا يصل إليه إلا من لديه الطاقة المادية لذلك، ولم تتجاوز ثقافة الفرد في الأغلب الأعم ما كان مرسوماً في المقررات المدرسية، ومع تراجع وتيرة التنمية في الوطن العربي وانكسار حلم النهضة في أكثر من بلد عربي تراجع التعليم وتراجع معه مستوى المتعلمين، ووجد التلفزيون الذي دخل الوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين الساحة مفتوحة أمامه ليملأ الفراغ لدى الفرد العادي، ولدى الأطفال خصوصاً ويصرفهم عن القراءة، ثم لحقت بالتلفزيون الألعاب الرقمية والإنترنت وألعاب الهاتف المحمول، وصار السباق على اقتناء تلك الأجهزة والحذق ببرامجها الترفيهية، فعمّت بسبب ذلك ثقافة الصورة، وهي ثقافة مسطّحة تتبع البصر، ومشاهدات العين، عديمة التفكير، ميكانيكية الرؤية، ليس لصاحبها مستقبل ولا ماضٍ، فأصبح التعلق بصورة مغن أو مغنية أو ممثل أو ممثلة أو لاعب وتتبع حياته الخفية ومعرفة كل شيء عنه هو قمة المعرفة، ومناط الثقافة .
في ظل هذا الانشغال بثقافة الصورة في الوطن العربي، هل يمكن أن نتحدث عن مستقبل لمجتمع القراءة، وبأي نوع من المؤسسات الثقافية والوسائل التقنية يمكن صناعة ذلك المجتمع؟
إن أي برنامج مستقبلي لتعميم ثقافة القراءة لا بد أن يعمل في اتجاهين، أولهما مواجهة التلفزيون وأجهزة التقنية أو استخدامها لمصلحته، وثانيهما إقامة مؤسسات ثقافية لا يكون همهما مجرد توفير الكتاب (الورقي أو الإلكتروني) للقارئ، بل تضع البرامج الكفيلة بجذب الناس إلى إليه أيضاً .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/57c0654c-0a7a-43d5-be73-2682bc9dbfb3.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق