أفق
لغة تتطور رغم أنوفهم
آخر تحديث:السبت ,10/03/2012
محمد ولد محمد سالم
لا تنفصل أزمة اللغة العربية عن الأزمات الهيكلية في بنية المجتمع والسياسة والثقافة العربية، فالطبيعة الاستعجالية والارتجالية لنشأة الدولة العربية الحديثة وما حف بتلك النشأة من تربص أعداء وأطماع خارجية بالكيانات العربية الحديثة، لم تدع لكثير من الدول العربية الفرصة لإنضاج دولة مستقلة قائمة على مفهوم مؤسسي الفاعلية فيه لآلية العمل المؤسسي، ومبني على خطط طويلة الآماد، وليس على ردود فعل آنية ترقع الخروق بمراهم تسكن الجروح ولا تستأصل الداء، فعاشت تلك الكيانات ما عاشته منذ الاستقلال من اضطرابات وتجاذبات سياسية وأزمات اقتصادية وثقافية لا نزال إلى اليوم نشهد نتائجها وآثارها على مستويات عدة .
ففي حال اللغة العربية أعطى الإرث الاستعماري مكانة متقدمة للغة المستعمر في الكيانات الناشئة، وترك من أتباعه من ظلوا يقفون في وجه كل دعوة لتعريب الإدارة، ولم توضع خطة مؤسسية شاملة طويلة النفس لإحلال العربية محل اللغة الأجنبية، وازداد الأمر سوءاً بنشوء اقتصاديات السوق وانخراط العرب فيها طوعا أو كرها، ومن دون خطة لحماية المجتمع من التأثيرات الثقافية لتلك الخطوة، فأدى ذلك إلى أن لغات الغرب الذي هو صاحب الهيمنة الاقتصادية والسياسية انتشرت، واكتسحت المجال العربي، وتراجعت كل المحاولات التي كانت الأقطار العربية تحاولها لاستعادة اللغة العربية مكانتها في مجتمعاتها، وراجت دعوى أننا إذا أردنا التقدم فعلينا أن ندرس العلوم البحتة والتكنولوجيا بلغتها التي أنتجت بها، ونترك اللغة العربية للتاريخ والتراث والشعر الجاهلي لمن أراد أن يتعلم تلك العلوم، وبعد عقدين من العولمة لم يزدد الأمر إلا سوءاً ولم تستطع اللغة الأجنبية أن تخرج لنا ذلك الجيل المتعلم المثقف الذي يمتلك زمام العلوم، وتدل الإحصاءات المقارنة التي تصدرها مراكز البحث العربية أن التعليم تراجع كثيرا في العشرين سنة الأخيرة، وأن خريجيه أقل معرفة وخبرة من العقود السابقة .
من المفارقات العجيبة في قضية اللغة العربية أنه رغم أنف أهلها الذين خذلوها وضعفوا عن نصرتها، وأعدائها الذين عملوا على موتها، فإن اليونسكو صنفتها كواحدة من اللغات الحية والمتطورة مع الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية والروسية، وأعطتها تبعاً لذلك مكانة وصدارة بين لغات العالم، وقناعتنا أن لها من المرونة والقدرة على الاستيعاب والتوليد ما يجعلها مؤهلة للذهاب أبعد من ذلك في انتصاراتها .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/b316fda2-9681-4f2d-994d-ba8c85cc6a6d.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق