لايعترف بمبدع وحيد للنص
في الاحتفاء بالمتلقي . . أو الأدب التفاعلي
آخر تحديث:السبت ,13/02/2010
محمد ولد محمد سالم
كان للثورة الرقمية وظهور الإنترنت وما نجم عن ذلك من إمكانات هائلة للاتصال متعدد الوسائط تأثير كبير في النص الأدبي الذي دخل مع الكمبيوتر عالم الرقمية واستغل المشتغلون به تلك الإمكانات لتثوير هذا النص واستحداث توجهات جديدة في تشكيله، وأصبحت تروج لهذا الأدب الذي يستخدم التقنية الرقمية تسميات عديدة .
يعرف الروائي الأردني محمد سناجلة رئيس اتحاد كتاب الإنترنت هذا النوع من الأدب بأنه: “كل نص ينشر نشراً إلكترونياً سواء كان على شبكة الإنترنت أو على أقراص مدمجة أو في كتاب إلكتروني، وهو نوعان، الأول: النص الرقمي ذو النسق السلبي: وهو الذي ينشر إلكترونيا ولا يستفيد من تقنيات الثورة الرقمية التي وفرتها التقنيات الرقمية المختلفة مثل تقنية النص المتفرع أو النص متعدد الوسائط من مؤثرات صوتية وبصرية وغيرها من المؤثرات المستخدمة، وهو النص الورقي العادي إذا ما نشر إلكترونياً، والثاني: هو النص الرقمي ذو النسق الإيجابي وهو الذي ينشر نشراً رقمياً، ويستخدم التقنيات التي أتاحتها الثورة المعلوماتية من استخدام النص المتفرع “الهايبرتكست”، والمؤثرات السمعية والبصرية الأخرى وفن التغذية “الأنيميشن” و”الجرافيك” وغيرها من المؤثرات التي أتاحتها الثورة الرقمية .
يطلق على هذا الأدب أيضاً “أدب الإنترنت” نسبة إلى وسيلة الإرسال والتلقي فيه وهي الإنترنت، ومن تسمياته “الأدب التفاعلي” نسبة إلى كون النص فيه لا يبقى حكرا على كاتبه الأول وحده، بل يظل مفتوحا على إضافات وتعليقات لزواره في الموقع الذي هو منشور فيه، ولذلك سمي نصا تفاعليا ويعرف الناقد المغربي سعيد يقطين الأدب التفاعلي بأنه “مجموع النصوص الإبداعية” التي تولدت مع توظيف الحاسوب، ولم تكن موجودة قبل ذلك، أو تطورت من أشكال قديمة، ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في الإنتاج والتلقي”، ويعتبر مصطلح الأدب التفاعلي أشمل هذه المصطلحات وأكثرها رواجا، لأنه يفترض أن يضم تحت رايته كل الإمكانات الأخرى .
وتحدد الباحثة الإماراتية د . فاطمة البريكي خصائص الأدب التفاعلي في كونه يقدّم نصاً مفتوحاً بلا حدود، فيمكن للكاتب أن ينشئ نصه، ويبثه على أحد المواقع تاركاً للزوار حرية إكماله على النحو الذي يرغبون فيه . كما أن هذا الأدب يمنح المتلقي “الزائر” فرصة الإحساس بأنه مالك للنص مشارك في صنعه، أي أنه يعلي من شأن المتلقي الذي أُهمل لسنين طويلة من قبل النقاد والمهتمين بالنص الأدبي، والذين اهتموا أولا بالمبدع ثم بالنص ثم التفتوا أخيراً إلى المتلقي، والأدب التفاعلي لا يعترف بمبدع “وحيد للنص”، إذ جميع المستخدمين يشاركون في صناعته، ويملكون حق الإضافة والتعديل فيه، وقد لا تكون للبدايات ولا النهايات فيه أشكال محددة، إذ يمكن للمتلقي أن يختار نقطة البدء التي يرغب في أن يبدأ منها دخول عالم النص أو التي ينهيه فيها، ويتيح الأدب التفاعلي للمتلقين المستخدمين فرصة الحوار الحي والمباشر، حول النص ومساراته سواء كان رواية أو قصيدة أو مسرحية، وحول وجهات النظر التي يرى النص كل واحد منهم من خلالها، والتي تختلف غالبا عن رؤى الآخرين . وفيه أيضاً تتعدد صور التفاعل، بسبب تعدد الوسائط التي يقدم بها النص الأدبي نفسه إلى المستخدم .
أما في ما يتعلق بتقنية تأليف النص، فإنها تنقسم إلى قسمين أولهما النص المتفرع “هايبرتكست” وهو الذي يتضمن بين ثناياه روابط نصية أو أيقونات لنصوص أخرى يمكن بضغط زر الوصول إليها، وثانيهما النص المترابط وهو الذي يستخدم إلى جانب التفريع تقنيات الوسائط المتعددة التي تعمل بنظام يسمح بالربط المباشر بين النص والصورة والصوت وأية تقنيات أخرى . على مستوى اللغة فقد لحقها هي الأخرى تغيرات كثيرة سواء على مستوى الكلمة أو الجملة، فالكلمة لم تعد سوى جزء من كل يتآلف لخلق الرؤية الكلية التي تضم أيضاً عناصر الصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة .
نجاح لافت
كانت رواية “الظهيرة” لمايكل جويس عام 1986 أول عمل أدبي استخدمت فيه التقنيات الرقمية وذلك في أمريكا، وبعد ذلك بعشر سنوات ظهر في فرنسا نص “الزمن القذر” لألن شيفو وآخرين و”حب بزيادة 20%” لفرانسوا كولون، وانطلقت قافلة هذا الأدب الجديد تجوب أنحاء العالم تباعاً، وقد حظيت هذه التطورات الأدبية بمواكبة نقدية تنظيرية كبيرة وسجالات في أهم الصحف الأدبية الغربية كان لها الأثر الكبير في تحديد اختيارات الأدباء الشباب وتوجيه مساراتهم .
أما في الأدب العربي، فإن أول نص عربي وظف تقنيات الحاسوب هو رواية “ظلال” لمحمد سناجلة الصادرة سنة ،2001 وأضاف إليها رواية “شات” سنة 2005 التي استفاد فيها استفادة قصوى من تقنيات الحاسوب والإنترنت فكانت تجربة روائية رقمية جديدة، ويدل العنوان نفسه على ذلك فهو “شات” يعني جلسات المحادثة بين شخصين أو أكثر عبر الإنترنت وهو أشهر وسائل التواصل بين مستخدمي الشبكة، وقد شكل هذا الشات فضاء الحكاية الذي تحركت فيه الرواية في تصاعد أحداثها، هذا إلى جانب تقنيات أخرى كثيرة وظفها الكاتب كالماسنجر والبريد الإلكتروني ولقطات الفيديو والمقاطع الموسيقية والصور واللوحات التشكيلية، واتخذت الأسماء شكلاً استعارياً كجيفارا وصدام وأبو عمار وأحمد ياسين ونزار وغيرهم، فهي ليست أسماء حقيقية، وقد أطلق سناجلة على هذا النوع من الرواية مسمى الرواية الواقعية الرقمية: “هي رواية شكلا ومضمونا، رواية تستخدم التقنيات الرقمية المختلفة، وتتحدث عن المجتمع الرقمي وإنسان هذا المجتمع، الإنسان الافتراضي” .
وإلى جانب الرواية الرقمية، هناك أيضاً القصيدة التفاعلية ويعد مشتاق عباس معن أول شاعر عربي يستخدم التقنيات الرقمية، وذلك في مجموعته “تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق” التي نشرها سنة ،2007 وقد استخدم فيها تقنيات النص المتفرع والمترابط، كالمؤثرات الصوتية والصورية “الجرافيكية” والتنقل بين النوافذ المفتوحة، وقد ضمت هذه المجموعة ستة نصوص تتفرع منها نوافذ متصلة ووصلات سمعية صوتية، فيظهر النص الأول بالضغط على الزر الرئيس الموجود في الواجهة الرئيسة، ومن هذه الواجهة يمكن من التحول إلى النص الثاني “المتفرع” عبر أيقونة “حاشية” والذي يتفرع بدوره إلى النص الثالث من خلال أيقونة “هامش”، وهكذا يتواتر الأمر في النصوص الأخرى من هذه المجموعة، وقد مزج مشتاق في نصوص مجموعته بين الأشكال الشعرية المختلفة من العمودي والتفعيلة والمنثور .
وفي ما يخص النقد الأدبي المتعلق بالأدب التفاعلي، فإن التنظير للأدب التفاعلي في الوطن العربي كان أسبق إلى الظهور من الإبداع التفاعلي العربي نفسه، ربما لاطلاع الدارسين قبل غيرهم على ظواهر هذا الأدب في الغرب، ويعد الناقد سعيد يقطين أول من نظّر لهذا اللون من الأدب من خلال كتابه “من النص إلى النص المترابط، من أجل نظرية للإبداع التفاعلي” الصادر سنة 2005 والذي انطلق من أطروحة أساسية وهي أن الوسيط الجديد “تقنيات الحاسوب والإنترنت” يخلق أشكالاً جديدة للتواصل وعلى الكتاب العرب أن يستوعبوا هذه الأشكال ويحاولوا الإبداع من خلالها .
طور يقطين أطروحته من خلال كتبه المتواصلة في هذا المجال وآخرها كان “النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية نحو كتابة عربية رقمية” الصادر سنة ،2008 وقد قال عنه “إن هذا الكتاب وهو يحاول الانخراط في عالم قيد التشكل بالنسبة إلينا نحن العرب يرمي بشكل أساس إلى الدعوة إلى التسلح بشيئين متضافرين، هما المعرفة العلمية والتكنولوجيا، والقاسم المشترك بينهما هو العلم المؤسس على قاعدة معرفية وفلسفية . ولطالما فرط مثقفونا في العلم ذي البعد الإنساني مركزين على علم خاص جدلي، لأننا نرفض الوصف والتفسير ونظل نحلم بالتغيير، ولما فشلنا في تحقيق التغيير لأننا لم نهتمّ بالعمل ها نحن نجد أنفسنا نفكر في التأويل وكأنه الذي كان ينقصنا لممارسة التغيير متغافلين عن أن كل تاريخنا الفكري الحديث تأويلات في تأويلات” .
وذهب يقطين أيضاً إلى أن الأدب التفاعلي يمكن أن يكون طريق النجاة للأدب من التردي الذي يعيشه: “لا يختلف اثنان في أن الشعر العربي المعاصر يعرف فترة ترد تام على كافة المستويات . ورغم ظهور شعراء جدد خلال العقدين الأخيرين، فإن قلة منهم استطاعت أن تستقطب الأنظار، وهي وإن نجحت في إثارة الانتباه، فإن ذلك لا يدوم طويلاً . . . ويلخص هذا التردي التام في كلمة واحدة: إنها أزمة التواصل، أمام وضع كهذا هناك نوع من التواطؤ على الصمت في انتظار أن تحل الأزمة مع الزمن، أو في انتظار “الشاعر” الذي قد لا يأتي” .
تقوم نظرية الأدب التفاعلي عند كثير من منظريها على المقابلة بينه وبين الأدب ما قبل التفاعلي الذي أصبحوا يطلقون عليه اسم الأدب الورقي، ويعتبرون أن الأدب الورقي هو كل نص كتب على طريقة الكتاب التقليدي سواء نشر في ورق أو بصورة رقمية، فلا يكون النص تفاعلياً ما لم يستفد في بنائه من التقنيات التي يوفرها الكمبيوتر، ولهذا سمى محمد سناجلة النص الذي ينشر على الإنترنت ولا يستفيد من هذه التقنيات “نصاً رقمياً سلبياً”، وقد بشر سناجلة بنهاية للنص الورقي، ودعا إلى التخلي عنه وقال “ولنقلها صراحة، لقد انتهى عصر الورق”، مثل هذه الأحكام فيها تسرع كبير ومصادرة على الواقع فسيمر بالتأكيد وقت كبير على الوطن العربي قبل أن يتخلص من الورق، وأيا تكن الوسيلة التي سيكتب بها الأدب مستقبلا ورقية أو رقمية، فهناك شيء ثابت في الأدب هو اللغة كتشكيل فني وترابط دلالي ونسق إيحائي آسر، يجبر مؤلفه على قوله، ويملك على متلقيه نفسه، هذه الخاصية الثابتة هي التي ظلت على مر الزمن حافزاً على الأدب وهي التي تضمن له بقاءه ما بقي الإنسان .
محمد ولد محمد سالم
جريدة الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق