أفق
المعنى في الرواية
آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010
محمد ولد محمد سالم
يستوقف المتابع للساحة الأدبية العربية ما ورد في البيان الختامي لندوة “الرواية العربية والأيديولوجيا” التي نظمها “مركز الرواية العربية” في مدينة قابس التونسية في نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، وناقشت جلساتها جوانب مختلفة من هذه العلاقة المتشابكة بين الروائي والأيديولوجي في النص الروائي، فقد أكد البند الأول “أهميّة الإشكاليّة التي طرحتها الندوة وهي إشكاليّة الرواية والأيديولوجيا، إذ أعادت الاعتبار للمعنى في النّصّ الروائي”، ويحيل هذا البند إلى قضيتين في الكتابة الروائية إحداهما دلالية وهي أن مفهوم الأيديولوجيا في الرواية قد يضيق حتى لا يعني سوى أن تروج الرواية لمذهب أو موقف عقدي أو سياسي أو اجتماعي خاص جدا لا تؤمن به سوى جماعة ضيقة، وهو مفهوم ضد الفن ويقتل الرواية قبل أن تولد، وقد يتسع ليدل على مجرد وجود منظور دلالي، وقابلية منطقية للتأويل، حين يبث الكاتب عبر روايته وبطريقة فنية إيحائية بؤرا أو مرتكزات للتأويل، وخلق المعنى، وهذا يعني أن له موقفا أو أيديولوجية كامنة تحت رماد السرد وفي باطن النص، لكنه لا يقدمها بصورة فجة ودعاية مكشوفة كتلك التي يقوم بها أصحاب المفهوم الضيق .
أما القضية الأخرى فهي فنية بالدرجة الأولى وتتعلق بمفهوم الرواية والجنس، فقد كثر أنصار نظرية النص الأدبي الذي تلغى فيه الحدود بين الأجناس الأدبية ويلغى فيه المعنى، ولا يبقى سوى نص واحد يترك فيه الكاتب لنفسه الحرية في التداعي الحر، ويحفر في أعماق ذاته لا ليعبر عن معنى معين، وإنما لسبر أغوار هذه الذات، وترك الكلمة تفعل فعلها في فك مغاليق تلك الذات من غير قصدية مسبقة، أو ترتيب لمعنى أو خيال، لأن من شأن القصدية والتخيل مصادرة حرية القول وأدلجة الكلمة التي هي مقدسة مصونة عن المصادرة، وهذا الموقف يؤول في النهاية إلى عبثية واضحة، ويجعل الرواية والكتابة السردية مجرد هلوسات كلامية، لا تنتظم بنظام ولا ترتبط برابط، وتدل مؤشرات كثيرة على أن الفكر الروائي الغربي الذي صدر هذا الرأي قد تجاوزه اليوم، حتى ساده في السنوات الأخيرة نوع من الواقعية أو التاريخية السردية .
وإذا تأملنا البند الأول من البيان الذي سبقت الإشارة إليه سنجد أن “عبارة أعادت الاعتبار للمعنى في النص الروائي” هي رد مباشر على ذلك النوع من الكتابة الذي يخرج من ذاتية مريضة فاقدة للوعي وغير قادرة على التأمل والتفكير، وهي كذلك دعوة للكتّاب إلى الابتعاد عن تلك العبثية، وقيمة هذه الدعوة تنبع من قيمة الأسماء التي حضرت الندوة، فهي كلها أسماء كبيرة لها وزنها في الأدب والنقد، ومنها أحمد المديني من المغرب ونبيل سليمان من سوريا وتوفيق بكار ومحمود طرشونة من تونس وغيرهم، وينم البند أيضا عن حساسية عربية ترفض تلك العبثية، وتطالب الروائي أن يكون له موقف وأن يعمق إحساسنا وفهمنا للواقع الذي نعيشه، وكما أننا إذا أخذنا الجوائز الأدبية كمعيار لتقييم المفهوم العام للرواية، فإن الروايات التي رشحت للقوائم القصيرة في جائزة البوكر للرواية العربية، والروايات الفائزة في دوراتها الثلاث “واحة الغروب” و”عزازيل” و”ترمي بشرر” تؤكد أهمية المعنى في الرواية، وأهمية أن يكون للروائي موقف من الواقع الذي يعيش فيه، فكل تلك الروايات كانت لها مواقف من الواقع، ومناظير تنظر من خلالها إلى الحياة.
الخليج
الرابط: http://www.alkhaleej.ae/portal/1a7f8267-61f5-4cf1-b4b5-5c0f615649e7.aspx
Dah_tah@yahoo .fr
Dah_tah@yahoo .fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق