أفق
حالة جوع
آخر تحديث:الخميس ,25/03/2010
محمد ولد محمد سالم
في روايته الجميلة “جوع” التي وصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة الرواية العربية 2009 يقدم محمد البساطي “حالة” جوع فريدة لأسرة من قاع القرية المصرية، ووجه الفرادة فيها أن البساطي لم يقدم لنا شخصيات الطبقة الفقيرة في مصر، كما تقدم عادة في الروايات والأفلام المصرية، حيث تكون الشخصية عادة عدوانية يدفعها جوعها إلى السخط على الآخرين وخاصة ميسوري الحال والأغنياء، وفي أحيان كثيرة إلى السرقة والاعتداء، أو إلى المخدرات والاحتيال، هذه النماذج من الشخصيات لن نصادفها في رواية “جوع”، رغم أن الأسباب التقليدية لذلك كالجوع والبطالة والحرمان من كل شيء موجودة، إلا أن ما نصادفه هو شخصيات من نوع آخر، فقيرة جائعة لا تجد كسرة الخبز أياما متوالية، لكنها لا تسخط ولا تتذمر، بل تتضور جوعاً وتصبر حتى يخف الألم فتنام، وأول هذه الشخصيات هي شخصية الأم بطلة الرواية “سكينة” التي تراقب زوجها وهو ينام النهار كله، ويخرج في المساء ليقضي الليل كله جالساً على المقاهي، ليس له من شغل سوى الاستماع لأحاديث الناس ولا يعرف لماذا، فهو ليس ثرثاراً حتى يحتاج إلى رصيد من المعلومات يثرثر به، يمضي عليه الشهر والشهران وهو على تلك الحالة، يعود ويبيت يتضور جوعاً بجانبها هي، والأولاد في انتظار الصبح لعلها تجد عند جاراتها سلفةً رغيفاً، ورغم ذلك لا يفكر في البحث عن عمل، وإذا صادف وأن وجد عملا، فإنه يعمل لأيام ثم يتركه، ولا تدري هي لماذا هو صامت طول الوقت، فتكتفي بإجابة مقتضبة منه، ولا تكثر عليه الأسئلة خشية أن تغضبه، رغم أنه لا يغضب منها لكنها تهاب ذلك، وتمضي في خدمته صامتة غير متذمرة ولا شاكية، ويبقى عالقا في النفس من دون أن تجد له جوابا، وبدلا من ذلك تسعى في خجل إلى البيوت، لعلها تجد عند جاراتها رغيفا بانتظار أن يجد زوجها عملا لتقضي ما أخذته، وذلك أول ما تفعله حين تجد ما تخبزه، تقضي كل وقتها راضية مطمئنة، وتعود إلى بيتها بما تبقى وقد انزاح عنها حمل ثقيل كانت تجده من نظرات الجارات لها .
وحين يطول جلوس الزوج ويثقل كاهلها ما أخذته من جاراتها، تحاول أن تدخل “البيت الكبير” المجاور لها الذي لا ترى أهله إلا في سياراتهم، لعلها تجد عملا أو لعلهم يجودون عليها بشيء، لكن الباب يوصد في وجهها فتعود، بلا تسخط أو تشمت .
هذا الجوع الصامت في الرواية له أيضا مظهره لدى زوجها الذي لا يكترث بشيء في الحياة، والذي تعوّد أن يحضر كل مأتم في القرية يساعد في تنظيم الكراسي وحمل الأثاث وتوزيع الشراب، ثم يخرج من دون أن يمد إليه أحد يده بشيء، لكنه لا يشتم ولا يحقد، بل يكتفي بأنه سيلاقي الأجر من الله على فعله ذاك، وحتى الأولاد علمتهم أمهم أن لا يمدوا أيديهم إلى أحد، فأكبرهم وهو زاهر، لا يجرؤ أن يأخذ من بائعة الخضار إصبع خيار طرياً، رغم أن معدته تمغصه من الجوع، وبدلا من ذلك يختلف إلى مكبّة البقال ليلتقط تفاحة أو برتقالة مرمية فيزيل جزءها التالف ويأكل السليم، وهو لا يجرؤ أن يخبر أمه بأن صديقه عبد الله يعطيه كل يوم رغيفاً خلسةً، وحتى الولد الصغير يتلوى عند قدميها يعتصره ألم الجوع ولا يتكلم .
هنا نماذج بشرية جميلة في جوعها وصمتها ورضاها بحياتها، هنا شخصيات لا تتملكها النقمة على الآخرين لمجرد أنهم ميسورون أو أغنياء، تعيش حياتها بما قسم لها ولا تمد يدها لأحد، وهنا أيضا تجربة إنسانية عميقة، تكشف جانبا من قدرة الإنسان على السمو فوق أشد الآلام وامتلاك رصيد جميل من الكبرياء .
جريدة الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق