أفق
المثقف والوقت
آخر تحديث:الاثنين ,22/08/2011
محمد ولد محمد سالم
هل يجد المثقف اليوم الوقت للبحث والمطالعة والإنتاج، أم أن الوقت يتسرب من بين يديه خلسة، كما يتسرب من أيدي غيره من الناس؟
كثيراً ما نكرر عبارات من قبيل “الوقت من ذهب” و”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”، لكننا نادراً ما نعمل بمقتضى تلك العبارات، فيضيع الوقت سدى، ونرتاح إلى التلقي البصري المباشر الذي لا يحتاج إلى عناء كعناء القراءة أو التفكير أو الكتابة، فننشد إلى الصورة التلفزيونية لساعات طوال من اليوم، أو ندخل موقعاً من المواقع الاجتماعية على الإنترنت فنجد أن الكثيرين ممن هم مسجلون على صفحتنا قد تركوا لنا رسائل كثيرة وعلينا أن نجيب على كل رسالة على حدة، وربما دخلنا في “دردشة” مكتوبة أو ملفوظة مع أحدهم وقد يطول الأمر لساعات، وللهاتف المحمول أيضاً حكاية أخرى مع ضياع الوقت، لا تقتصر على مجرد أن الإنسان قد يتلقى اتصالاً طويلاً من أحد الثقلاء الفارغين الذين ليس لحديثهم طعم ولا رائحة، بل يتعداه إلى ما أصبح يحتويه هذا الجهاز من برامج تضاهي برامج الكمبيوتر، وتطال كل مجالات حياة الإنسان جداً ولعباً، ومن السهل عليك وأنت تقلب خياراته أن تضيع في تفحص صور أو سماع تسجيلات أو ممارسة لعبة أو تغيير برمجة أو كتابة رسالة أو غير ذلك .
الإنسان الواعي يستطيع أن يحدد ما يحتاج إليه من تلك الأجهزة والوقت اللازم لها، ويحسب الوقت الزائد عن الحاجة الذي يضيع منه في تلك الأجهزة، ثم يتعامل معها في حدود حاجته، ويستبقي وقته الآخر لمهماته الأساسية كالمطالعة أو الإنتاج الفكري، وعندها سيجد أنه قد وفر وقتاً كبيراً هو في حاجة ماسة إليه ولا يمكنه أن ينتج إنتاجاً ذا بال من دونه، وفي سير العظماء من الكتاب والمفكرين ما يوحي بحرصهم الشديد على الوقت والتزامهم الصارم بالمواعيد، يذكر الروائي جمال الغيطاني عن نجيب محفوظ أنه كان حريصاً بشدة على مواعيد الكتابة ويلزم نفسه بذلك كأنه واجب يومي، فكان لكل شيء عنده وقت محدد منذ نهاية دوامه الرسمي وحتى ينام ليلاً، وقد كان نتيجة ذلك الجهد والجد هذا الكم الهائل من الروايات البديعة التي وصلت ترجماتها إلى كل أصقاع العالم .
ويروى عن الفيلسوف الألماني عمانويل كانط أنه لشدة حرصه على الوقت كان جيرانه يضبطون أوقاتهم على مواعيد خروجه ودخوله التي لم يكن يتخلف عنها ثانية .
ومن طرائف استغلال الوقت ما روي عن ابن قيم الجوزية، وهو أحد العلماء المسلمين الغزيري الإنتاج، أنه لما كثرت عليه زيارة العاطلين والفارغين الذين لا شغل لهم ولا علم يستفاد منهم، صار يخصص وقت زيارتهم لإعداد أدوات، فكان يبري الأقلام ويصفف الأوراق وهو يحدثهم، وبذلك لم يضع عليه وقته كلية .
dah_tah@yahoo.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق