أفق
فنون "المناسبات"
آخر تحديث:السبت ,06/08/2011
محمد ولد محمد سالم
كان من أسباب الثورة الشعرية التي حمل لواءها رواد الحركة الرومانسية العربية أن الشعر تحول قبلهم إلى ما سمّوه شعر “مناسبات”، فقد عاش قروناً من الجمود والتقليد فقدَ معها روح الإبداع التي كانت تسكنه في العصور السابقة، وضمُرت ثقافة الشعراء وهزُلت مواهبهم، فانقلبوا إلى نظّامين جاهزين يتحينون المناسبات السياسية والاجتماعية، العامة والخاصة لينظموا فيها كلاماً موزوناً يرصونه رصاً ويعيدون فيه تكرار المعاني والمواضيع والأوصاف والصور التي سبقهم إليها الشعراء المتقدمون، يحشدونها حشداً ويرصونها رصاً، وأصبحت تلك المعاني والصور جاهزة لكل مناسبة في المدح والرثاء والاحتفالات والتهنئة بالزواج أو بالترقية أو أي مناسبة أخرى، فوصل الشعر إلى بداية النهضة منهكاً باهتاً قليل الإبداع ولولا رموز قليلون استطاعوا أن يحافظوا على نصاعته لانتهى إلى الأبد .
هذه “المناسبات” يبدو أنها اليوم بدأت تعود ليس في الشعر وحده، بل في كل ميادين الأدب والفن، فقد اغتنم الكثير من الكتاب والتشكيليين والمخرجين السينمائيين والمسرحيين “مناسبة” الثورات العربية لتقديم أعمال فنية تستلهم هذه الثورات التي لم تنضج بعد ولم تؤت أكلها، فشاهدنا اللوحات التشكيلية والمعارض المختلفة التي تحاول أن تدون في رسومات مختلفة لحظات “ميادين التحرير” ورفرفة اللافتات الثائرة في السماء، صدرت الكتب والروايات التي توثق أدبياً لتلك اللحظات منها المجموعات القصصية والروايات، كما عجت المكتبات بالمذكرات واليوميات التي توثق لجوانب كثيرة من تلك الحركات، وظهرت أيضاً كتب السيرة الذاتية عن شخصيات أثرت في هذا الواقع إيجاباً وسلباً، حتى إن المؤرخين بدأوا يكتبون تاريخ تلك الأيام قبل أن تكون تاريخاً، وأخيراً جاءت موجة المسلسلات الرمضانية التي تلعب على الظاهرة وتستثمر جدتها وتعاطف الناس معها، لغرض استقطاب المشاهد لتلك المسلسلات .
كلها فنون مناسبات غرضها الأول اغتنام الفرصة واقتناص ما يمكن أن تدره اللحظة من رواج وسمعة وعائد مادي، مثل هذه الفنون هي فنون اللحظة التي تعد لتؤخذ سريعاً ثم تنتهي وتخبو عند انتهاء مناسبتها وذهاب لحظتها، ومن النادر أن تقدم إبداعاً ناضجاً، متماسك الرؤية متقن الفنيات، لأن الإبداع كالطبيخ تحرقه شدة الاشتعال وقوة النار ويحتاج إلى نار هادئة لكي ينضج .
هذه الظاهرة ليست وليدة ميادين التحرير، بل إنها كانت موجودة من قبل، لكن الفارق هو أن مجتمع “ما قبل ميادين التحرير” كان يعرف الكثير من الظواهر الشاذة والكثير من الطفيليين والانتهازيين في شتى الميادين ومنها الأدبية والفنية، واليوم وقد عرفت تلك المجتمعات كيف تكون صادقة مع ذاتها وكيف تملك زمام نفسها، وتحاول أن تصنع مستقبلها بوضوح وصفاء، فإن على أولئك الانتهازيين و”المناسباتيين” أن يكفوا بأسهم ويعرفوا أن بضاعتهم كاسدة وفنهم فاشل، ويتركوا “الميدان” لغيرهم من الفنانين والأدباء الصادقين المبدعين الذين يعرفون كيف ينضجون “الطبخة” ويخرجونها إبداعاً جميلاً।
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق