بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 11 سبتمبر 2011

أدب البدايات


أفق
أدب البدايات
آخر تحديث:الثلاثاء ,09/08/2011
أصبح مجرد إصدار كتاب وعنونته بأنه رواية أو ديوان أو مجموعة قصصية يجعل صاحبه يظن أنه أصبح أديباً مبدعاً وأن ما يكتبه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويسعى بكل ما أوتي من وسائل لتكريس نفسه بهذه الصفة فتراه يجري وراء وسائل الإعلام المختلفة للدعاية لنفسه، وشيئاً فشيئاً ينطبع في أذهان الآخرين أنه أديب روائي مبدع أو شاعر كبير، ويكون قلمه قد أمسك عن الكتابة منذ ذلك اليوم الذي أصدر فيه كتابه اليتيم .
ليس عيباً أن يصدر المرء كتاباً وينسب لنفسه صفة شاعر أو كاتب، حتى إنه يمكن أن يبلغ به مبالغ راقية من الإبداع، وفي تاريخ الشعر العربي يوجد من الشعراء من عرفوا بشعراء العقيدة الواحدة كطرفة بن العبد الذي لم يؤثر عنه من شعر صحيح سوى معلقته الدالية “لخولة أطلال ببرقة ثهمد” والتي عد بها من فحول الشعراء الجاهليين وضمنها من الإبداع ما يعدل مئات الدواوين من الغثاء الذي يكتب اليوم، ومنهم أيضا عمرو بن كلثوم صاحب المعلقة النونية المشهورة “ألا هبي بصحنك فاصبحينا”، والتي بلغ من قوتها وشهرتها أن اكتفت بها تغلب عن قول الشعر، حتى سخر منهم شاعر بقوله:
ألهى بني جَشَم عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
لكنّ هذه نوادر قليلا ما تتكرر، وإن تكررت فلواحد أو اثنين وعلى فترات زمنية متباعدة، والحالة الطبيعية، والحالة التي يقبلها العقل هي أن البدايات هي للمحاولة والتدريب وأخذ رأي النقاد والقراء لمعرفة سبيل الإبداع وكيفية السير في الطريق، ولا ينتظر منها الكثير، ولذلك يميل أكثر المبدعين الكبار عند جمع أعمالهم الكاملة إلى إسقاط “البدايات” وإغفالها قصداً، لأنهم يجدون أنها لم تعد تمثلهم، ولا يليق بهم أن ينشروها ثانية، ويذكر الكاتب الكبير توفيق الحكيم مؤسس الأدب المسرحي في الأدب العربي، وصاحب المسرحيات الشهيرة “أهل الكهف” و”الملك أوديب” و”شهرزاد” و”بيجماليون”، و”الأيدي الناعمة”، أنه حين كان في بداياته كان مواظباً على الكتابة وكان كلما ينتهي من كتابة مسرحية يتلفها، وعياً منه بأنه في تلك الفترة ما زال في فترة تدريب والمتدرب لا ينتظر منه الإبداع، فكان ما أتلفه فيها أكثر مما استبقاه ونشره .
يعني هذا أن الموهبة تحتاج إلى وقت لإنضاجها، وحتى تستوعب آليات الإبداع في الفن الذي تتصدى له، وتمتلك أدواته كاملة، فمجرد النشر ليس دليلا على أية صفة، وضجة الإعلام وإن وصلت إلى الآفاق فإنها لا تلبث أن تنطفئ، والذي يبقى الإبداع والقدرة على الإضافة والإتيان بالجديد المبهر، ذلك هو ما يبقى على الأيام وما يطفو على السطح ولو بعد حين، حتى ولو لم يصحبه ضجيج ولا دعاية .
محمد ولد محمد سالم
dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق