بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 11 سبتمبر 2011

التواصل بين أجيال المثقفين والمسؤولية الغائبة


التواصل المفقود بين أجيال المثقفين والمسؤولية الغائبة
آخر تحديث:الأربعاء ,31/08/2011
الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
تعاني بعض المؤسسات الثقافية الأهلية في الإمارات هجرة أعضائها، فقد تضم المؤسسة مئات الأعضاء لكنّ الذين يحضرون أنشطتها قلة معدودة، والتعليل الدائم لهذا الغياب، عدم وجود الوقت الكافي لمتابعة أنشطة هذه المؤسسة أو تلك، وضغط العمل الوظيفي الذي يمنع صاحبه من الحضور الدائم لتلك النشاطات، لكنّ الواقع هو أن أغلب الأنشطة الثقافية أنشطة مسائية حيث يكون كل الموظفين في بيوتهم، ومن المفترض أنهم لا تشغلهم مهمات الوظيفة في تلك الأوقات، وحتى لو كان عبء الوظيفة ومتاعبها يصل إلى البيت، فإن الإجازات الأسبوعية والسنوية والإجازات الرسمية والدينية كلها مناسبات لأنشطة ثقافية، يمكن للحريص على الحضور وعلى استمرارية المؤسسة الثقافية التي ينتمي إليها أن يستغلها لمتابعة نشاطها ومؤازرة زملائه فيها .
لكن الأمر يتجاوز مجرد توفر الوقت إلى نوع من الزهد أو اللامبالاة، وعدم إحساس بعض المثقفين بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة التي من المفترض في المؤسسة أن ترعاها وتأخذ بيدها، كما أخذت بيده هو وغيره، لكن البعض ينسى ذلك، ينسى أن عليه ديناً لهذه المؤسسة التي احتضنته ورعت تكوينه الثقافي ووصلت به إلى مراتب من العطاء والشهرة، من المحتمل أنه كان من العسير عليه الوصول لها لولا توفر منابر تلك المؤسسة، أفَلَيْس الوفاء لها أن يكون حريصاً على أنشطتها دائم الحضور لها، وأن يحمل همها كما حملت همه، وحمله آخرون سبقوه إليها .
قد يرى البعض أنه نضج واستقل بنفسه وكون اسماً يغنيه عن الانخراط الدائم في أنشطة تلك المؤسسة، فلم يعد في حاجة إليها، أو أبعد من ذلك يرى أنه لا يليق به أن يبقى في ذلك المكان الذي يرتاده المبتدئون والمتطفلون على الثقافة أو الفنون، وهو من هو مكانة وسمعة، لكن هذه أنانية لا تليق بالمثقف الواعي الذي يحمل هم وطنه ومواطنه، لا تليق بمن يؤمن بالإنسانية وبالعطاء من أجل الإنسان .
هذا المثقف سواء كان مفكراً أو أديباً أو مسرحياً أو فناناً تشكيلياً أو غير ذلك ينبغي أن يكون أسمى من أن يحجم نفسه في مجرد أهداف ومقاصد ذاتية، ويجب أن يعرف أن عليه ديناً لوطنه، ديناً للأجيال القادمة، أن يعطيها من وقته وجهده ليثقفها ويعلمها، ويأخذ بيدها نحو المستقبل لكي تستمر الجذوة جيلاً بعد جيل، ولكي لا يحدث الانقطاع الذي يتحدث الكثيرون اليوم عنه، لا بد للوعي الثقافي والإبداع من رعاية واعية ومسؤولة، لا بد له من رعاة يحملون همه وهم الهوية الحضارية للأمة كي يسلموه بنقائه وصفائه للأجيال اللاحقة، ومن غير تلك الرعاية لن تتطور ثقافة ولا إبداع، ولن تمتد جذور، وستعيش الأجيال القادمة مبتورة عن أصولها تائهة لا تعرف من أين تبدأ ولا أين ينبغي أن تنتهي، وستحدث تلك الأزمة التي بدأنا نشهد بعضاً من مظاهرها، صحيح أن في ما تقدمه تلك المنابر من الأفكار والموضوعات والفنون ما يكون هذا الأديب أو الفنان قد هضمه واستوعبه وأصبح شيئاً متجاوزاً بالنسبة إليه، لكن هناك الآلاف ممن لم يسمعوا تلك الأفكار ولا عرفوا عنها شيئاً، وهم بحاجة إليها لتأسيس وعيهم، وينبغي أن يكون من يعطونها لهم أناس على قدر من الوعي، وحضور أمثال أولئك الناس الدائم في الأنشطة الثقافية يعطي للأجيال الصاعدة ثقة في ما يقدم إليهم، ويجعلهم مواظبين على الحضور جادين في الأخذ بتلك الآراء والأفكار وتطبيقها، فليس عبثاً ولا عيباً أن يقتطع الإنسان جزءاً من وقته لتلك المهمات الجليلة العظيمة .
ليس عزوف المثقف عن تلك الصروح الثقافية وتخليه عنها علامة للعظمة، ففي سير العظماء أنهم كانوا حريصين على رعاية الأجيال التي تأتي بعدهم، سعداء بكل نجاحاتهم وإبداعاتهم، وقد كان نجيب محفوظ حريصاً على أن يسمع أفكار الشباب وأن يقرأ ما يقدمه إليه الكتّاب الجدد من كتب ليقدم لهم النصح في سبيل تثقيف النفس وطرق الإبداع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق