بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 11 سبتمبر 2011

علي الحميري في "تيجان البونسيانا"


علي الحميري في “تيجان البونسيانا”
رهافة الفنان تمنح السرد مذاق الأمل
آخر تحديث:السبت ,30/07/2011
محمد ولد محمد سالم


1/1

علي أحمد الحميري قاص وروائي إماراتي صدرت له مجموعات قصصية عديدة هي “قزم وعملاق” 1999 و”الداسيات”2000 و”ذرة فوق شفة” 2001 و”شيء من هذا القبيل” 2001 و”عيون السمك الباردة” 2002 و”شفافية الثلج” 2003 و”خربشات على أديم الجدران” 2008 ورواية “النبراس” ،2006 وأخيرا مجموعته القصصية “تيجان البونسيانا” عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وهي تضم واحدا وعشرين قصة قصيرة، كتبت على فترات مختلفة أقدمها يعود إلى عام 1988 وأحدثها يعود إلى عام ،2008 “البونسيانا” اسم لشجرة استوائية أو شبه استوائية، جميلة، ورودها حُمراء وأوراقها كثيفة .
يندرج السرد في المجموعة في إطار الواقعية، ويتناول الكاتب بلغة قوية، محكمة سليمة بعيدة عن الإسفاف مجموعة من الظواهر والمواقف الاجتماعية والحالات التي يتعرض لها بطله الذي يتحدث دوما بلسان المتكلم، فيكاد القارئ في بعض الأحيان التي لا يعرف فيها اسم البطل أن يماهي بين شخصيته وشخصية الكاتب، خصوصا وأن البطل في أحيان كثيرة هو كاتب، فكأن في الأحداث شيئاً من أحداث حياة الكاتب ويومياته، وهو ما يمكن أن يفسر ميل الكاتب إلى التسجيل، والتقاط الحادثة والحالة وتوثيقها من دون اللجوء إلى صناعة حبكة قصصية واستقصاء جوانبها . فكثير من نصوص المجموعة هي تسجيل لواقعة لكن الكاتب يركز على الوقائع ذات الدلالة الاجتماعية أو النفسية أو السياسية .
قصة “تيجان البونسيانا” التي سميت المجموعة بها يجد القارئ نفسه فيها أمام حبكة قصصية متكاملة استخدم فيها الكاتب تداخل الأزمنة منطلقا من اللحظة الحاضرة التي تشكل المثير أو المحفز لاستذكار الماضي واستعراض الأحداث التي كانت سبباً في دهشة تلك اللحظة، فتبدأ الحكاية باللحظة التي يعود فيها البطل إلى قريته لرؤية جدته المريضة التي غاب عنها سنوات طويلة بعد أن فقد ابنة خالته التي كان يحبها والتي زوجها والداها من دون رجل آخر من دون مراعاه حبه لها، فيكره البطل القرية ويتركها، وبعودته إليها تعود الذكريات وسمر الليل مع القصص، وفي القرية يكتشف أن تلك الفتاة التي أحبها يوما لم تنس حبه ولم تزل تذكره، رغم أنه لم يلقها، وحين يعود إلى المدينة يعود وقد برعم الأمل في نفسه التي كانت يائسة متبرمة بالحياة، وتتفتح أمام عينيه تيجان شجرة البونسيانا التي كان يراها دوما يابسة جافة خلال كل تلك السنوات، ويرتقي الكاتب في مقاطع من سرده بلغته إلى أسلوب الاستعارة الجميلة: “ثمانية أعوام لم أرها فيها ولم أسمع صوتها وما جمعنا مكان قط، لكنها بقيت كامنة في أعماقي، مترصدة رادعة لكل وجه أنثوي التقيت به في المدينة، وفي كل بلاد ذهبت إليها تفرض علي الخريف، ترفض أن تعيد لمناخي بقية فصوله، كانت صارمة صارفة وجهها إلى الفناء الذي أحرق الخريف كل حشائشه وزهوره كأنها ترسخ الجفاف في حقولي، ورغم ذلك فقد كنت أرى وجهها بكل أبعاده الجميلة أراه في الوجه الصغير الحائم حول سرير جدتي” .
أما قصة “حكاية” فيرصد فيها على لسان بطله موقفاً قابل فيه امرأة شابة في بلد عربي تدير بنجاح إدارة مؤسسة خاصة، ودهش من نجاحها وقدرتها على إدارة الأشخاص الذين يكبرونها بكثير، ويواصل نفس التناول للظواهر الاجتماعية في “ريق الصالحين” و”أذن مؤذن” و”محاولة جريئة” و”قصاصة ورق”، وفي نفس السياق تصب “حكايات صغيرة” التي هي مجموعة من اللقطات السريعة ترصد حادثاً أو حالة ذات بعد رمزي منها لقطة (انتحار): “كان مؤشر السرعة في سيارتي ثابتا على مئة وثلاثين ورغم ذلك فقد مر بجواري كسهم طائش وكانت أنواره مطفأة فلم أتمكن من التقاط رقم سيارته، ولو كانت مضاءة ما تمكنت، هبت زوجتي مذعورة في المقعد المجاور، متمتمة بجمل متقطعة، لم أفهم منها شيئا، لكنها بدت لي حوقلات واسترجاعات، فما كاد يختفي في المنحنى القريب من مدخل البحر حتى ارتفع دوي هائل أعقبه صمت مقيت ودماء وقطع حديد متناثرة” .
فساد الموظفين ومشاكل الإدارة هي واحدة من الظواهر التي تناولها الكاتب في “صرير أبواب صدئة” نقد للإهمال الإداري وفقدان المسؤولية لدى كثير من الموظفين، فهو يروي حادثة وقعت لامرأة ظلت تتردد بين شبابيك إحدى الإدارات، وأمام كل شباك يصدها الموظف محيلا إياها على الشباك الآخر، ليتفرغ للثرثرة عبر هاتفه المحمول أو مع أحد أصدقائه أو يذهب لبعض شأنه غير عابئ بطابور المراجعين، وتظل المسكينة متنقلة حتى آخر شباك ولا تجد من يتقبل أوراقها، وتحار وتعاود الكرة لدى أحد الشبابيك فيلومها الموظف لأنها رجعت إليه، ويرمي أوراقها بعيدا، مما يغضب أحد الرجال في صف المراجعين الذين ملوا الوقوف من دون أن يجدوا من ينظر في معاملاتهم، فينبري للموظف لائما إياه ومهددا، ويلتف حول الرجل بقية الناس في الصف يدعمون موقفه، ويرتبك الموظفون وراء الشبابيك، ويدب فيهم الهلع، فيتسابقون إلى مقاعدهم ويبادرون بالنظر في معاملات المراجعين مخافة أن تتطور الأمور إلى الأسوء ما سيهدد وظائفهم، وبأسلوب تداعي الأفكار يسحب البطل تلك الظاهرة على جميع أوجه الحياة العربية التي تعاني من خلل في البنية التنظيمية وفي البنية التربوية للفرد .
ولا تبعد قصة “ضروب من المعاناة” عن القصة السابقة فهي تقيم بشكل غير مباشر مقارنة بين حياة الغربيين وبين حياتنا، فهم تعودوا على النظام والعمل والمساواة والعدل ونحن تعودنا على الكسل والمحسوبية والوساطة وغيرها من الأمراض التي تجعل ذلك الشيخ الإنجليزي الهرم يعلق بعد أن شرح له البطل ذلك الواقع: (أوه وليد هذا محال!)، وفي نفس السياق قصة ''أكشن زون'' التي تقيم مقارنة بين قيمة العمل لدى المؤسسات الغربية التي تتقن العمل وتحترم الزبون وبين مؤسساتنا الخاصة التي لا تعتني بعملها ولا تحترم أبناءها .
السياسة أيضاً كانت حاضرة في بعض النصوص مثل “تورابورا” الذي يصور فيها على لسان فتاة أفغانية معاناة الناس البسطاء من ويلات الحرب التي تشنها الأمم الكبرى في بلادهم فتصيبهم بسببها المآسي والفواجع التي لا ذنب لهم فيها، وكذلك الشأن في قصة “خنجر في الخاصرة” .
من المواضيع التي تناولها الحميري أيضاً في مجموعته المواضيع النفسية أو النصوص التي ترصد أوضاعا وحالات نفسية مثل نص “الشارع الإمبراطور”، وفي السياق نفسه يأتي نص “وجه في الذاكرة” حكاية تذكار الأوجه القديمة وما تثيره رؤيتها في النفس من عودة إلى زمن بعيد و”حدث ذات ليلة” و”محروس” و”خفافيش الفجر” و”عالم صغير” و”سلامتك يا علي” و”قطار الرحلة الأخيرة” و”قلم جاف أحمر” .
في سرده يبدو الحميري كاتباً مفعماً بالحب منحازا إلى قيم الإنسانية، يلتقط الحادثة والخاطرة برهافة الفنان الذي يتأثر بكل ما هو إنساني وينفعل بالوقائع السعيدة والمأساوية على حد سواء، وتجنح نصوصه في بعض الأحيان إلى حدود الخاطرة أو المقالة التي تبنى على حادثة ثم يترك الكاتب لنفسه حرية تحليل الأفكار وتفسيرها وإبداء رأيه فيها على لسانه أو لسان البطل ।

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق