بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 أبريل 2010

إنها "ترمي بشرر.."


أفق
“ترمي بشرر”
آخر تحديث:السبت ,10/04/2010
محمد ولد محمد سالم
حين يقرأ الإنسان رواية “ترمي بشرر” للروائي السعودي عبده خال لا بد أن يتسرب إليه شيء من ذلك الانخذال النفسي الذي تعيشه شخصيات الرواية، ويحس بنفسه كأنما ينزلق إلى الحضيض، فلا يجد شيئاً يتشبث به علّه يقيه السقوط، فهذه الرواية تقدم طبقتين من المجتمع، هما الطبقة الفقيرة التي تعيش في حي قذر متراص البناء ضيق الأزقة تمتلئ طرقاته بالقمامات والروائح الكريهة، والطبقة الباذخة التي يمثلها رجل الأعمال وضيوفه ويرمز لها قصره المنيف المشيّد على الشاطئ قريباً من الحي .
يعشش في الحي الفقر والجهل وسوء الخلق والنميمة وكل الدناءات، ويسود بين أفراده الكره والحقد حتى في الأسرة الواحدة، فعمة البطل تكره أباه وأمه، والأم تكره العمة، والبطل يكره الجميع، والأطفال أبناء شوارع يأتون كل أنواع المنكرات، ولكل شخص خسيسة يتكتم عليها، وأما على الجانب الآخر من الرواية فالدناءات مسورة بأسوار عالية من البذخ والرفاهية والمال الذي يدير العقول، ويسخر الأنفس الضعيفة لتأتي أبشع الآثام في صمت تام كأنها خرساء، وتغدو أسيرة لآثامها التي لا تستطيع منها فكاكاً، يسخرها أحد أبطال الرواية لرغباته المجنونة وانتقاماته البشعة، فغدت تلك الشخصيات حبيسة جرائمها وما يغدق عليها من مال .
بهذا الإيقاع البشع تسير حياة الشخصيات وتنتهي بأبطال الرواية إما بالموت أو الجنون أو الهروب أو الاستلاب النفسي، وهي مصائر سوداوية لا تترك بصيص أمل لنقطة ضوء في المستقبل، وكأن الإنسان مساق إلى هذا المصير المأساوي ولا مناص له منه، وكأن كل ما في المجتمع مسخر لسحق الإنسان وسلبه حريته واحترامه لنفسه، ولا صوت للأمل والخير في هذا الجو القاتم، وحتى تلك الشخصيات التي مثلت صوت الخير بتقديمها نصائح للبطل قدمتها الرواية وكأنها شخصيات غبية لا تعي ما تقول، ولا تملك أي إحساس إنساني، هكذا يحكم الكاتب إغلاق السواد على أبطاله، فهل هذا هو المجتمع المعاصر؟ وهل كلما يريده الروائي هو أن يسحق نفس قارئه، ويصيبه بوباء الكره والسوداوية والقنوط التي تلبست بها شخصياته؟
من مهمات الروائي الأصيلة أن يعطي للقارئ بصيصاً من أمل يتشبث به، وأن يمد له من خلال ركام الشر حبل خير يتعلق فيه، لعلّه ينجيه في مستقبل الأيام، ويساعده على تجاوز مآسي الحاضر والبحث عن مستقبل أفضل، وذلك الضوء في آخر النفق هو ما غاب عن رواية “ترمي بشرر” حتى أصبحت هي نفسها ترمي بشرر .
dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق