أفق
حتى لا يهدر الحبر والورق
آخر تحديث:الثلاثاء ,27/04/2010
محمد ولد محمد سالم
لا بد للذين عرفوا المجلات العربية الشهيرة التي أسهمت بجد وعمق في تأصيل وتحريك الساحة الثقافية العربية في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وكانت معلماً بارزاً من المعالم الثقافية التي طبعت الثقافة في ذلك الوقت بطوابع كثيرة من الأصالة والعمق والجدة، وكانت لها مساهمة جميلة في تشكيل عقليات أجيال متتابعة من القراء والمثقفين تشبعوا بالكثير من العطاء الجيد الذي أعطته، لابد لهم أن يأسفوا وهم يرون واقع الكثير من هذه المجلات، فلا يمكن أن نعقد مقارنة بين ما آلت إليه اليوم وما كانت عليه بالأمس “فلا هو هو ولا الأيام أيامه” كما يقال، لن يجد القارئ في هذه الأعداد الجديدة من هذه المجلات سوى بعض الكتابات الإنشائية البسيطة كأنها لتلاميذ من المرحلة الثانوية، تخلو تماماً من أي خلفيات معرفية، وتفتقر إلى أبسط أدوات العقل من تحليل وتركيب واستنتاج، فما الذي حدث، كيف يمكن لكاتب أن يدعي أنه يقدم موضوعاً فكرياً أو يناقش قضية فلسفية أن ينزل إلى مستوى من الكتابة وكأنه معلم يعد ملخصاً لطلاب صغار يعوزهم التفكير والفهم .
لشد ما يحزن المرء حين يرى مثل تلك الصروح الثقافية وقد تداعت من عليائها، فما الذي حدث هل تغيرت الاستراتيجية الثقافية للمجلات والمؤسسات الثقافية العربية أم أن الكتاب المتخصصين والمثقفين الضليعين قد اختفوا من ساحتنا الثقافية، أم تراه القارئ هو الذي لما تضاءل علمه، لم يعد يستحق غير هذا النوع من الإنشاء المدرسي المهلهل .
ولو كان الأمر يقف عند هذا الحد من الهزال لكان أرحم، ولكن المشكلة الكبرى هي المواضيع التي تتطرق لها باتت مواضيع ثانوية بالنسبة لأسئلة الثقافة الحقيقية وبالنسبة للقارئ، كما أن النصوص التي ترد فيها تعج بالأخطاء اللغوية الفادحة التي لا تليق بطالب صغير، كذلك فإن تأثير الترجمة الحرفية واضح في بعض مواد هذه المجلات، حيث ترد بعض الجمل والعبارات التي لا يمكن أن يخرج منها القارئ بمعنى صحيح أو التي توهم معنى معاكساً تماماً للمعنى الذي يريده كاتبها وكأنه اعتمد على خدمة الترجمة من موقع غوغول .
إن وضع تلك المجلات اليوم يمثل نموذجاً كاشفاً للتراجع الذي وصل إليه الخطاب الثقافي العربي شكلاً ومضموناً، ولانحسار الأقلام الكبيرة التي كانت تغذي الفكر العربي، وانشغال هذه المجلات بالهامشي على حساب الجوهري، وهو وضع لا يطمئن على مستقبل هذه الثقافة العربية، ولا على دور المجلات التي باعتبارها منظماً للفكر يجمع بين رصانة الكتاب وعلميته ووثوق معلوماته، وبين تنوع سرعة الصحافة وتنوعها وانتشارها، وإذا لم تنتبه هذه المجلات إلى المأزق الخطير الذي وصلت إليه وتراجع مسطرة عملها، فحري بها أن تكف عن إهدار الحبر والورق .
dah-tah@yahoo .fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق