بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 أبريل 2010

في الكتابة الروائية


أفق
في الكتابة الروائية
آخر تحديث:الأربعاء ,14/04/2010
محمد ولد محمد سالم
لا بد للمتابع للحركة الروائية في الوطن العربي أن يلاحظ أن العقد الماضي شهد طغيان أسلوب روائي يمزج بين الرواية والسيرة الذاتية، ولئن كانت الفوارق بين الجنسين يعتريها التداخل والتبادل في بعض الأحيان فيجد الدارسون صعوبة في تمييزها، وتبقى رهينة بقدرة هذا المؤلف أو ذاك على الإبداع، فإنه يمكن بالاعتماد على شواهد الواقع الأدبي رصد ميزات أساسية للسيرة الذاتية تميزها عن الرواية، فالسيرة الذاتية تتمحور حول شخصية واحدة و”صوت واحد” هو صوت المؤلف، لترصد حياته منذ ميلاده إلى وقت كتابته لسيرته، ولا يتقيد كاتب السيرة الذاتية بأية قواعد للكتابة اللهم إلا إذا كانت قواعد اللغة، ولا بأي منظور لترتيب الزمن والأحداث، ويحق له فوق ذلك نقاش كل الأفكار وإبداء رأيه المباشر فيها، وإصدار الأحكام سواء تعلق الأمر بمواقف واتجاهات سياسية أو عادات اجتماعية أو عقائد دينية أو اقتصاد أو فلسفة أو غير ذلك، حسب المحور الذي انشغل به المؤلف في حياته . أما الرواية فتمتاز بتعدد الأصوات والبعد عن المباشرة وإصدار الأحكام الجاهزة، ومن العيوب المخلة كثيراً بالرواية التي تفقدها صدقيتها تدخل الكاتب المباشر وإبداء رأيه في الأحداث الجارية، أو في قيمة معينة من قيم المجتمع، تثميناً أو تبخيساً لها، فهذه أمور ينبغي أن تصدر الأحداث حكمها عليها وليس الكاتب، ولهذا يبحث نقاد الرواية عادة عن “المنظور الروائي” أو “وجهة النظر الروائية” التي ترد بشكل إيحاء، وتستخلص من التوجه العام للأحداث وسمات الشخصيات المآل الذي تؤول إليه .
نحن نعرف من تاريخ الأدب العربي الحديث أن الخلط بين الجنسين كان عنواناً للضعف في امتلاك ناصية الفن الروائي، فالرواية التي تعد اليوم باكورة الأدب الروائي العربي التي حاز صاحبها قصب السبق وهي رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل لا تعدو أن تكون مزجاً بين هذين الأسلوبين، وكذلك رواية “سارة” لعباس محمود العقاد، واليوم رغم أننا نعيش عصر الرواية بصورة جعلت الكثيرين يتكهنون بموت الأجناس الأدبية الأخرى، إلا أن هذا الخلط بين السيرة الذاتية والرواية ينم عن ضعف في امتلاك ناصية الفن الروائي لدى الكثير من الكتاب الذين يسمون أنفسهم روائيين وخاصة لدى فئات الشباب الذين ربما دفعتهم إكراهات الواقع، وضغط الحياة التي يحيونها، وانكسار الآمال إلى الكتابة، فظنوا أنهم يكتبون رواية وهم لم يخرجوا عن أن يكتبوا سير حياة قد لا تكون من الأهمية بمكان .
على الشباب الذين يتصدون لكتابة الرواية أن يدركوا هذا الفرق، وأن يبتعدوا عن التدخل المباشر في الأحداث ويتركوا للشخصيات الروائية مساحة للحرية لتنمو وتتطور في سياقها، ويتركوا الأحكام للمسار العام للرواية، ولن يتأتى ذلك إلا بالنظر إلى الأحداث بموضوعية بعيداً عن الذاتية، وقد يكون من السهل أن يكتب المرء سيرته الذاتية لكن ليس من السهل كتابة رواية .
Dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق