بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 أبريل 2010

جعجعة بلا طحين

أفق
جعجعة . . ولا طحين
آخر تحديث:الاثنين ,22/03/2010
محمد ولد محمد سالم
ماذا يمكن أن نقول للشعر في يومه العالمي؟ هل نبكيه بعدما تخطّف الموت آخر عمالقته الكبار، وبعدما فسد ذوق المتلقين له، أم نهنئه بما تضخه المطابع صباحاً ومساء من كتب تتزين أغلفتها الخارجية بكلمة “شعر”؟
عندما اختلط العرب بالأمم الأخرى ونشأت طبقة من الشعراء المولودين في المدن وكانت الفترة حقبة جمع لمفردات اللغة، أحجم اللغويون عن الاستشهاد بأشعار أبناء تلك المدن خوفا من أن تكون العجمة قد تسربت إلى شعرهم، ولكنهم كانوا من الحضور وجودة الشعر بحيث أطلق أبو عمرو بن العلاء قولته الشهيرة “لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته”، ولم يكن شعراء “هذا المحدث” سوى جرير والفرزدق والأخطل الذين “اتفق علماء الأدب، وأئمة نقد الشعر قديماً على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك الإسلام أبلغ منهم”، وقد أصبحوا بعد ذلك أعلاماً في سماء الشعر العربي، وما زالت دواوينهم منبع إلهام لكثير من شعراء العربية، وفي ضوء هذه الحقيقة التاريخية ألا يمكن أن نقول إن ما نراه اليوم من ظواهر شعرية عربية في عصر العولمة والاختلاط اللامحدود بين البشر، وما يلقى إلينا من دواوين، هو “محدث” هذا العصر؟
هناك وجوه فرق بين محدثي أيامنا وجرير وأصحابه، فقد كان أولئك رواة للشعر قبل أن يكونوا شعراء، وقد أخذ جرير الشعر عن أبيه عطية، وأخذ الفرزدق الشعر عن أبيه غالب بن صعصعة، وأما الأخطل فقد أخذ الشعر عن شاعر تغلب كعب بن جعيل، فكل هؤلاء كانوا رواة شعر وقد تدربوا في أكناف شعراء كبار من عصرهم، وتثقفوا بثقافة شعرية راسخة، وغَشَوْا مجالس الشعر، فسمعوا من النقاد آراءهم، ويكفي أن النقائض كانت تعرض على كبار أهل اللغة والأدب في ذلك العصر فيحكمون لشاعر على الآخر من خلال ما يسمعونه، وفي هذا الجو نما ذلك الشعر الذي سماه علامة اللغة أبوعمرو ابي العلاء “المحدث” وكان إبداعاً بلا شك .
إن أهم ميزة من ميزات أغلب من يكتبون الشعر في أيامنا هذه تتمثل في أنه مقطوع الصلة بالتراث الشعري العربي، ولا يقيم وزناً من أوزانه، وكثيراً ما تكون لغته العربية سقيمة، مهلهلة التركيب، فكيف نسمي هذا ابداعاً؟
سيجادل كثيرون بأن الإبداع ينبغي أن يكون نقيضاً لما سبقه وثورة عليه، واستحداثاً لطرق جديدة في القول وأشكال بديعة من الإيقاع، هذا صحيح، لكننا إذا قسنا الأمر بالإبداع في رياضة معينة، فإن شرطه الأول هو إتقان تلك الرياضة حتى يستطيع الرياضي تجاوز ما أنجزه فيها من سبقوه، فلا يمكن لشخص جاهل بالسباحة أن يحطم فيها رقماً قياسياً، وعلى هذا فإن الاطلاع على تراث الشعر العربي، وتمثل أساليب القول فيه قديماً وحديثاً والخبرة بإيقاعاته، هي أول طريق نحو الإبداع فيه، ومن دون سلوك هذا السبيل لن يكون ما يلقى إلينا مما يسميه أصحابه دواوين سوى جعجعة رحى لا تجد ما تطحنه .

Dah_tah@yahoo .fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/70199f36-cdd8-4d32-8b5e-24f00c31d7dd.aspx

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق