بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

رواية الصحراء ومواجهة المجهول


أفق
آخر تحديث:الجمعة ,17/12/2010
محمد ولد محمد سالم
يأتي فوز الكاتب الليبي إبراهيم الكوني بجائزة ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي الخامس ليلفت الانتباه إلى إحدى أهم التجارب العربية في مجال ما عرف ب”رواية الصحراء”، ويميط اللثام عن خصائص هذا اللون من الرواية داخل الأدب العربي، والذي اعتبر إضافة نوعية إلى الرواية العربية وميزة من ميزات الإبداع العربي الحديث التي تخصه دون سائر الآداب العالمية باعتبار أن الصحراء الكبرى تقع في بلاد العرب، وهي بيئة إن تمثلها الكاتب العربي الذي خبرها تستطيع أن تلون أدبه بلون خاص، وتؤكد هذه الحقيقة القيمة الجمالية للمحلي حين يسم العالمي بطوابعه فيغدو الانتاج عالميا مع خصوصية مشهودة، ذلك هو ما صنعته رواية الصحراء التي أخذت الخصائص العالمية للرواية ومزجتها بطوابع الصحراء وناسها، فأنتجت أدبا متميزا، وهذا أيضا ما فعله الكوني الذي سخر قلمه لكتابة السيرة الروائية لإنسان الصحراء خصوصا قبائل الطوارق التي ينحدر منها .
وغاص الكوني بعمق على الموروث الحكائي لقبائل الطوارق، وتراثها الأسطوري الذي يشكل المرجعية الروحية والذهنية لتفكير أفرادها، فلمّ شتات تلك الأساطير في سرد يجمع بين واقعية الإنسان وأسطورية التاريخ، بين محدودية الكائن البشري وانفتاح الفضاء المكاني على آفاق لا نهائية تحمل له المجهول الذي هو مخيف وفي نفس الوقت باعث على البحث عن شروط النجاة في مواجهته، لا يعرف الصحراوي ماذا تخبئه له مجاهل الأرض وفيافيها الممتدة إلى ما لا نهاية، وبذلك غدت حياته أسطورية لأنها مواجهة مع المجهول وفي مواجهة المجهول لا بد من أسطورة للنجاة، لا بد من أسطرة الواقع والبحث عن القوة الخارقة التي تهزم المجهول لأن البقاء هو الهدف الأول للإنسان، وربما يكون هو دافع الإبداع لديه .
من هنا كان التقاط الكوني لأسطورة حياة سكان الصحراء، بحكايتها المشتتة التي تصب في هدف واحد هو صناعة البقاء التقاطا إبداعيا ترك تضاريسه على الرواية العربية كنص مفتوح لا نهائي متعدد الحكايات والاتجاهات السردية، في الوقت الذي هو مجموع بأفق الأسطورة الكلية، فثنائية الانفتاح والانغلاق هي إحدى أهم ميزات رواية الصحراء .
ورغم أن إبراهيم الكوني معروف منذ فترة طويلة لدى الأوساط الأدبية العربية بما حازه من جوائر عربية وغربية، إلا أن رواية الصحراء كممارسة إبداعية، ومفهوم نقدي غير شائعة كثيرا في الأوساط الأدبية العربية، ومع ذلك فهناك ممارسات أدبية عربية تصب في إطار تلك الرواية وتستفيد من الميزات البيئية التي توفرها الصحراء للكتاب، ومنها بعض أعمال عبدالرحمن منيف وميرال طحاوي، وكثير من الأعمال الروائية في المغرب العربي .
وقد بدأت بعض الدراسات النقدية تتنبه إلى تلك الرواية وتحاول استجلاء خصائصها الإبداعية، مما يتوقع أن يكون له أثر كبير في بلورة خصائص الرواية العربية، ولعل هذه اللّفتة من ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي - كما أسلفنا - تسرع وتيرة الاهتمام بهذا اللون الروائي العربي .
dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق