آخر تحديث:السبت ,06/11/2010
محمد ولد محمد سالم
كيف تفكر المجتمعات العربية اليوم، وهل يمكن اعتبار اقتناء الكتاب دليلاً على نوعية التفكير؟ إن نظرة فاحصة إلى ما يشتريه زوار معرض الشارقة الدولي للكتاب تكشف أن كتب الأطفال والكتب الدينية وكتب الطبخ تستقطب اهتمام المشترين أكثر من غيرها، في حين أن الكتب المتخصصة في العلوم المختلفة وكتب الفكر والإنسانيات والشعر والنقد لا تجد إقبالاً كبيراً . وإذا كان مفهوماً أن يقبل الناس على كتب الأطفال لشراء برامج التعليم المدرسية وتعليم أطفالهم عادة القراءة، ومفهوماً كذلك أن يقبلوا في مجتمع مسلم على الكتب الدينية، فإن الإقبال على كتب الطبخ وحدها من دون سائر أنواع الكتب الأخرى يطرح التساؤل حول طبيعة التفكير والثقافة التي تسود المجتمع، وحول وضع المطالعة فيه، فهل ضاع جهد ما يقارب مئة وخمسين سنة من سعي الكتاب والمؤلفين لإحداث نهضة حضارية عن طريق إقامة تقاليد للقراءة، وذلك منذ أن كتب رفاعة الطهطاوي كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، الذي تحدث فيه عن مظاهر التطور والحضارة التي تعيشها فرنسا إبان زيارته لها في حدود منتصف القرن التاسع عشر، وأعجب بما رآه فيها من مكتبات عمومية ومظاهر للقراءة وعزا نهضتهم إلى ذلك؟
وهل أضعنا في جهد العقاد في “ساعات بين الكتب” التي كان يخصصصها أسبوعياً لمراجعة الكتب والتعليق عليها، ويرشد فيها إلى الكتب الثمينة وإلى قيمة المطالعة، وهل أضعنا من قبل هذين بقرون ما كتبه الجاحظ في تمجيد الكتاب، ليستحث الناس على القراءة: “الكتاب وعاء مملوء علماً، وظرف حشي ظرفاً، وبستان يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر ينطق عن الموتى ويترجم كلام الأحياء، ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده يجمع من التدابير الحسنة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأخبار عن القرون الماضية والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب”؟
هناك خلل في التعامل مع الكتاب وفي تقدير قيمته، يدل على أن الأجيال الحاضرة ليست أجيال قراءة، وأن الفكر في سمائنا العربية معطل، وربما يبرر هذا الفشل الذي نشاهده في كثير من مناحي الحياة، لم نستنر بنور الكتاب فاتجه تفكيرنا إلى الهامشي والثانوي حتى أصبح مركزياً وتراجع ما كان مركزياً ليكون هامشياً، ومع أن كل قراءة تعد مفيدة مهما كانت فإن التهافت على كتب الطبخ والموضة ليس مؤشراً لفكر سليم، وإنما يؤكد أن النزعة الاستهلاكية تحكمت في النفوس ولم يعد الاهتمام يتجه إلا إلى ما يؤكدها، وعسى ألا يكون ما نشاهده من إقبال على شراء كتب الأطفال داخلاً في باب النزعة الاستهلاكية وحب المظاهر، فتتكدس الكتب لدى الطفل من دون أن يلقى توجيهاً مدروساً ومنظماً يرسخ في نفسه فضيلة قراءتها، فلا تلبث أن تتلف، بل نرجو أن يكون مقدمة لصناعة أجيال قارئة قادمة .
dah_tah@yahoo.fr
جريدة الخليج:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق