بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 16 ديسمبر 2010

إنها معركة حضارية

بقلم: محمد ولد محمد سالم
Dah_tah@yahoo.fr
المتتبع للمشهد الإعلامي الموريتاني يدهش لحالة الضعف التي تسود هذا القطاع بمختلف تجلياته وخاصة العربي منه ففي حين يتمتع الإعلام المفرنس بنسبة ولو ضئيلة من المهنية والمصداقية فإن الإعلام العربي الموريتاني ما زال عاجزا عن تكوين تلك المهنية والمصداقية والاستثناءات قليلة جدا, وهذا ما جعل دوره باهتا وغائبا في كل ما يجري على الساحة الوطنية من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية, وقد يجادل البعض بأنه ما من شيء من تلك الأحداث يند عن وسائل الإعلام فهي تتناول كل شيء, وهذا صحيح ولكن هل يخدم هذا التناول الأهداف التي من أجلها وجد الإعلام,إن الإعلام في كل العالم هو وسيلة تنمية حضارية لا غنى عنها, إذ يناط به الدور الأكبر في توعية الشعب وتثقيفه والدفاع عن ثوابته الحضارية وتنمية روح الوطنية فيه وتعزيز عوامل الوحدة لديه وتحفيز همته للبناء, ومحاربة كل نهج لا يخدم التنمية أويقف في وجهها. وإن الإعلام العربي الموريتاني ما زال قاصرا عن بلوغ تلك المهمة لأن تناوله للأحداث والقضايا لا يرقى إلى المستوى المطلوب والمقنع فعلى سبيل المثال من القضايا المهمة التي تشغل بال المواطن الموريتاني اليوم قضية عودة اللاجئين الموريتانيين إلى الوطن فهذه القضية ظلت إلى اليوم غائبة لا يتناولها إلا كخبر عارض ومن حق المواطن الموريتاني أن يعرف تفاصيل هذه العودة بدءا بمعايير فرز المواطنين ممن ليسوا مواطنين مرورا بمسالك العودة ونقاط التثبيت وسياسات دمجهم وتمويلها وانتهاء بدور كل مواطن في تلك العملية ومظاهر التضامن التي ينبغي أن يظهرها لإخوانه العائدين.وكذالك من القضايا المهمة والتي أثارت ضجة في البرلمان عند التصويت عليها قضية قانون المالية لسنة 2008 فما هو الجيد في هذا القانون وما هو الرديء وهل يخدم البرنامج السياسي الذي أعلنه الرئيس في حملته الانتخابية وعينت الحكومة لتنفيذه, وبعيدا عن السياسي في المسألة ماهو رأي الخبراء والمحللين الاقتصاديين, من حق المواطن أن يعرف التفاصيل الدقيقة لتلك الميزانية ومردوديتها على المحاور التنموية الكبرى التي تهمه. وكل ذالك ممكن لو وجد من لديهم الاستعداد للقيام به ولا يمكن هنا التعلل بتكتم الحكومة فالبرامج والقوانين منشورة والبرلمانيون بمختلف مشاربهم موجودون وكذالك المحللون ولا يبقى سوى استعداد الصحافي للتضيحية بشيء من الوقت للاطلاع على الحقيقة.وحتى إذا كانت هذه القضايا الكبرى تحتاج إلى بحث مضن قد لا يكون لدى الصحافي مصروف المواصلات اللازم للقيام به, فهنالك قضايا صغيرة وقريبة ومؤرقة جدا للمواطن يمكن تناولها, ولنأخذ مثلا ظاهرة انعدام المجاري الصحية في مدينة انواكشوط. تاريخ الشبكة والمراحل التي مرت بها وحالتها اليوم, ما هي انعكاسات هذه الظاهرة على حياة المواطن وصحته, رأي الخبراء, من المسؤول عن هذه الظاهرة هل هناك خطوات عملية للقضاء عليها وآفاق تلك الخطوات وتقييمها, أين دور منظمات البيئة وهيئات المجتمع المدني في هذه الظاهرة لماذا لا تتحرك للتوعية بخطورتها وبضرورة القضاء عليها. على الصحافي أن يتناول الظاهرة من كل تلك الجوانب وأن يحفز الرأي العام ويبصره بالخطر. بدل أن يكتفي بكتابة ما يعرفه رجل الشارع عن الظاهرة. وقس على تلك الظاهرة ظواهر أخرى كثيرة مثل تلوث المياه وظاهرة عربات الحمير وظاهرة اطفال الشوارع, وكل قضايا الصحة والدواء إلى غير ذالك مما هو كبير أوصغيرفي حياة المواطن. ومن مظاهر قصور التناول لجوء الصحافيين خاصة في الإذاعة والتلفزيون إلى البرامج الحوارية ظنا منهم أن ذالك يحط عن الصحافي عناء البحث والاستقصاء إذ يكتفي بأخذ المعلومات بالحوار ولكن حتى هذه لم ينجح أصحابها في تقديمها بالشكل الملائم ذالك أن الحوار يتطلب إلماما تاما بموضوع الحوار وبحياة الشخصية المحاورة على غرار ما يفعله سامي حداد أو أحمد منصور في قناة الجزيزة حين يستضيف أحدهما شخصية لحوارها. وقد أشاعت تلك البرامج ظاهرة جديدة هي التداخل بين العربية والفرنسية في الحوار فيتكلم كل متدخل باللغة التي يشاء, وهذا طبيعي لكن ما ليس طبيعيا أن لا يعمد معد البرنامج إلى تقديم ترجمة لكلام المتدخل بلغة الحصة البرمجية فيبقى المستمع أوالمشاهد حائرا يسمع نصف الكلام ويفوته نصفه. وهذا لا شك أنه من أكبر أسباب فشل تلك البرامج. ويمكن أن يضاف إلى طريقة التناول القاصرة لدى صحافتنا العربية اعتبارهم ضمنا أن الخبر الجدير بالإهتمام وحده هو الخبر السياسي وما يتعلق به, في حين أن الإهتمام ينبغي أن ينصب على كل ما يمت بصلة لحياة المواطن, فقرار صغيرفي وزارة الصيد أوالمعادن أو المياه أوغيرها قد يكون خبرا مهما جدا وذا انعكاس كبير على حياة المواطن. إن على الصحافة أن لا تكون غائبة عن كواليس الإدارة وأن ترصد كل ما يجري وتفرز منه المعلومة الصحيحية والتحليل الموضوعي. وقد يكون هذا الحضور متعذرا في ظل حكومات موريتانية ظلت على الدوام تهمش الصحافة وتتكتم على كل المعلومات وتصادر الصحف التي تنشر أخبارا قد تزعجها, وتسجن أصحابها و تنكل بهم, لكن مهما يكن فإن الصحافي الناجح هو الصحافي ذو الشخصية الدينامكية القادرة على نسج علاقات متعددة مع مختلف دوائر المجتمع بما يجعله قادرا على الوصول إلى المعلومات بأسرع وقت ومن مصادرمتعددة وبروايات مختلفة تتيح له معرفة الحقائق بصورة موضوعية, وهو إن يكن كذالك يضمن لنفسه النفاذ إلى المكتومات وتعرية الحقائق, ويساهم في تكوين رأي وطني جماعي في ما يجري.إن التحدي كبير والعوائق جمة ليس أسهلها وجود إدارة مفرنسة لا ترحب بصحافة العربية ولا تتعاون معهم و كذالك وجود نظام تعليمي يطبق سياسة فرنكفونية عمياء لم يستشر عليها الشعب الموريتاني ولم يصادق عليها, ولكن لو اقتنع صحافتنا بأن هذه معركة حضارية كبيرة واستعدوا لخوضها فإن الهمم العالية تحطم الجبال.
وجالة الأخبار المستقلة:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق