نص ينفتح على دلالات متعددة
قراءة في "فنجان قهوة" للقاصة سارة النواف
آخر تحديث:السبت ,20/11/2010
محمد ولد محمد سالم
1/1
تقدم سارة النواف في قصتها القصيرة “فنجان قهوة” تجربة فريدة في القص تقوم على بناء تقابل بين لحظة حاضرة ولحظة ماضية تخترقها، عبر عملية “استرجاع” تم فيها تنشيط خيال الشخصية الرئيسة “الزوج” لينتقل من الشاهد إلى الغائب، ومن الواقع إلى الذكريات، وقد يسّرت ذلك الانتقال بالتقاط ذكي للتشابه بين مشهد الحاضر وصورة الماضي الماثلة في الذكرى، ما فتح الذاكرة والتفكير لتداعٍ سردي محكم البناء مكتنز اللغة، فيه الكثير من التكثيف وفيه لعب على التقابلات، يشي باحتراف متمكن، وهي كاتبة لها موقعها المميز بين كتاب
القصة القصيرة في الإمارات، وقد صقلت موهبتها في هذا اللون الأدبي عبر مسيرة بدأت في الثمانينات وأنتجت “نسمات من الخليج” و”بحر لا يغيب أبدا”، ولها تجارب مسرحية منها “ابتدأ الدرس يا خالد” و”الأميرة والنَاي السحري”، وقد حصلت على جائزة الشيخ راشد بن حميد للعلوم والثقافة في عجمان عام 1996 عن قصتها “طاخ . . طاخ . . طاخ”، كما دأبت النواف على تطوير أدواتها الكتابية والبحث عن بنيات جديدة لقصصها ونجحت في تقديم بنى فنية ورؤى لافتة تنم عن حس أدبي راق، وقد عالجت قضايا المرأة والحرية والعدالة والمجتمع .
في “فنجان قهوة” يمثل الحاضرَ مشهد الزوج وهو يتناول قهوة الصباح من زوجته قبل أن يغادر البيت إلى عمله، وتمثل الماضيَ صورةُ أبيه وهو يتلقى من يد زوجته القهوة الصباحية قبل أن يغادر البيت إلى البحر، وصورةُ البحر المائج ترتسم من خلال سطح القهوة حين تتحرك تحت نظرات الزوج، فيخترق المشهدُ بكل أبعاده عالمَه ويخرجه من واقعه ليعيش للحظات في ذلك العالم السحري الجميل .
على مستوى البناء تقوم الأحداث والشخصيات والزمان والمكان واللغة ببناء نوعين من التقابل، تقابل تماثل وتقابل تضاد، ففي ما يخص الشخصيات يقابل الأب الزوج، فتأتي صورة الأب بشكل مقتضب، وفي إشارات خاطفة لكنها كاشفة عن نوعيته من الرجال وطبيعة عمله، فهو بحار وأغلب الظن أنه تاجر لؤلؤ، لأن البحارة في ذلك الزمان الماضي لم يكن يذهب الواحد منهم إلى الهند إلا لتجارة اللؤلؤ، وهو هادئ ساكت متأمل، يجد حلاوة في حياته ويتمتع بما يصيبه منها “يحتسي القهوة بهدوء ولذة تامة”، أما الزوج بطل القصة فلا نجد أي شيء من ملامحه سوى أنه يعيش اللحظة الحاضرة، وهي مقابل الماضي تعني الحياة العصرية، وهو يحب القهوة ويحاول على الدوام التمتع بها كما كان والده يتمتع بها، وهنا يترأى لنا أنه ينظر إلى والده كمثل أعلى يسعى لأن يبلغه، فهذا تقابل تماثل، وثانيها هما الزوجة والأم، فالأم كما رسمها خيال ابنها، مثال للمرأة التقليدية المطيعة المؤدبة في حضرة زوجها المستميتة في خدمته بصمت، فهي تقدم له القهوة وتظل تنتظر في هدوء تام حتى يفرغ فنجانه فتصب له إلى أن يرتوي، وغاية ما تريده هو أن تراه يتلذذ بارتشاف تلك القهوة وأن تسمع منه ثناء على جودتها، أما الزوجة فهي إذ تقدم القهوة لا تعطي لزوجها فرصة التمتع باحتسائها، فتقطع عليه متعته في كل حين بأحاديث لا تهمه، حتى يمل من ثرثرتها ومقاطعتها لأفكاره، فيهُمّ هو بصب القهوة لنفسه حتى يتخلص منها، لكنها تصر على أن تصب هي وتتابع تساؤلاتها وأحاديثها الصباحية المزعجة له، وحين يشتد انزعاجه، يمد لها الفنجان ويغادر البيت، وهذا تقابل تضاد، أما على مستوى الأحداث فيمكن رصد أمثلة عديد للتماثل كتقديم الزوجة للقهوة وعملية شرب الزوج لها ومغادرة البيت، لكن هناك تضادا بين ثرثرة زوجته وحديثها عن جيرانها، والأحداث التي تقع في حيها، وبين سكوت زوجة الأب ومتابعتها بسكون تام لارتشاف زوجها لقهوته، وانتظارها لكلمات الثناء، وعلى مستوى الزمان فالوقت في كلتا الحالتين هو الصباح الباكر حيث ينطلق الناس إلى أعمالهم، لكن هذا الوقت ينفتح على زمن آخر لا محدود ولا نهائي هو زمن البحارة وسفنهم، وقسوة البحر ولياليه الموحشة يخففها غناء “النهام” وأحلامهم وآمالهم بصيد من اللؤلؤ يسطع بريقه تحت أعينهم، في مقابل هذا الزمن الممتد لا ينفتح الصباح الحاضر على المستقبل، ولا نشهد آمالاً كتلك الماثلة في الماضي، وهنا أيضا تضاد من نوع آخر، والصيغة نفسها نجدها في المكان، فجلسة الصباح هي نفسها بين اللحظتين لكن البحر وعالمه لا يقابله مكان واقعي حاضر أو صوري في المستقبل، فهناك تشابه واختلاف من وجه آخر .
وعلى مستوى التفاصيل الدقيقة للمشهدين يشكل فنجان القهوة البؤرة المولدة للأحداث والناظمة لخيوط المشهد، وحوله نسجت كثير من أوجه التشابه جعلت الزوج حين يمعن النظر فيها يقول في نفسه “كأنها بحيرة” حركتها في الفنجان ومرارتها الحلوة كحركة أمواج البحر، وحولها كانت المقابلة بين المشهدين السابقين، وحولها كانت تلك الجلسة الصباحية التي يكشف السرد عن اختلاف فيها، فالزوج يتذكر جلسة والديه ومناولة القهوة وكأنها مناجاة صامتة رامزة لعلاقة حب رومانسي جميل، وهذه الرمزية والسكون هي ما يتوق إليه الزوج ولا يجده، وهنا وجه الاختلاف، قهوة الأب وقهوة ابنه، فقهوة الأب تختار بعناية من أجود أنواع القهوة وتستجلب من بعيد، أما قهوة الابن فلا يبدو أنها تُخصّ بتلك العناية .
أما على مستوى اللغة فلا حصر للمفردات المتماثلة والمتضادة، وهو شيء طبيعي بالنظر إلى التقابل بين المشاهد والعناصر السردية، فاللغة تبع لذلك أو هي صانعته، فتتكرر بين المشهدين كلمات “تقدم القهوة تصب يتناول يشرب، يرتشف، الصباح، يغادر، يتلذذ تنظر، إليه إلخ . .” وتستخدم متضادات تتركه ولا تعطيه، يتلذذ بالشرب، وشرب دفعة واحدة، غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المبثوثة في ثنايا النص .
ما الذي وّلد هذه البنية التقابلية بوجهيها؟
تشير عناصر التماثل في البناء إلى أن اللحظتين بينهما نوع من الانسجام وهو الغالب، على الأقل من زاوية نظر الشخصية الرئيسة “الزوج الذي هو الصوت الطاغي في النص والأكثر حضوراً، وهو الذي يتم سرد الأحداث من وجهة نظره، فيبدو كل شيء متطابقاً حتى استماتة زوجته في خدمته “تقديم القهوة وإصرارها على صبها له، رشه بالمسك” يطابق استماتة أمه في خدمة أبيه، والاختلاف الوحيد هو كلام زوجته ومحاولتها المتكررة لجره للحديث، وصرفه عن التفكير في القهوة، وهو ما يراه هو شيئاً مزعجاً، ومستكرهاً في حضرة القهوة وإيحاءاتها التي تحتاج إلى هدوء وسكون من قبيل ما كان بين أبويه، ومن هنا يأتي التوتر وينبعث العنصر الدرامي في الأحداث، وتتولد السلسلة السردية .
وما الدلالة العميقة لهذا الصراع بين عناصر الانسجام والاختلاف؟
هناك مستويات كثيرة للتأويل يمكن عند كل منها وضع مقاربة لهذه الدلالة، المستوى الأول وهو منطوق كلام الشخصية الرئيسية، وما توحي به وجهة نظره في القصة، وهو انعدام اللمسة الرومانسية في العلاقة بين الرجل والمرأة في الوقت الحاضر، وفقدان الأفعال والأشياء قيمتها الرمزية في تلك العلاقة، وتحولها إلى “شيء” مادي ميت، ففي مقابل انزعاجه من ثرثرة زوجته، وعدم احترامها للحظة احتساء الشاي بوصفها طقساً مقدساً، مقابل ذلك تبدو اللحظة مشبعة بالقداسة والجمال عند الأبوين “لأنها تذكره بتلك الجلسة الحميمة كل صباح . . والده ووالدته . . تواصل فريد بين الحبيبين تحكيه الدلة والقهوة حين يحتويها . . يحمل كل الحب . . يغني عن ألوف الكلمات العاشقة وعن رسائل الحب”، وهذه دلالة تجد لها مؤيدات من شواهد الواقع المعيش، المستوى الثاني إقامة تقابل بين الواقع الراكد الباهت، واقع العرب الذي لا يبعث على الحلم ولا يحفز على المغامرة وبين ذلك الماضي الجميل الذي كان مملوءاً بالأحلام والمغامرات والتحدي والذي يجد الإنسان في قسوته ومرارته حلاوة “لذة القهوة وطرب أغاني النهام”، لا يجدها في واقعه الرتيب المتكرر كما تتكرر ثرثرة الزوجة كل صباح .
المستوى الثالث وهو مغاير للمستويين السابقين، فقد تكون الكاتبة أرادت أن تكشف عن نظرة الرجل للمرأة التي يبدو أنها لم تتغير، فهو ما زال ينظر إليها كما كان أبوه ينظر إلى أمه، مجرد خادمة تقوم بواجباتها في خنوع وسكون، وتنتشي لأدنى إطراء من سيدها، ولا يحق لها أن تتكلم في حضرته، أو أن تهتم بشيء آخر سواه، والحال أن هذه المرأة اليوم قد خرجت إلى الحياة العامة واطلعت على الواقع وامتلكت المعرفة كما يمتلكها الرجل وأصبح من حقها أن تقاسمه آراءه وتناقشه، فالزوجة على اطلاع على ما يدور في حيها “احتراق غرفة نوم آل بوحمد، وأخبار جارتهم صفية”، لكن ما يعيق هذا التفسير كون الزوج يتوق إلى علاقة حب بمستوى رفيع كذلك الذي عرفه بين أبويه، أو توهمه، ولم يجده في حياته، وهو ما يدل على أن نظرته إلى المرأة ليست سلبية على الأقل في هذا المستوى الذي يطالبها بالارتقاء إلى انسجام لا يحتاج معه إلى تكلف في الأفعال والأقوال .
تدل تلك المستويات التأويلية، على فاعلية البنية في خلق المعنى، خصوصاً إذا حملت تلك البنية طابع الجدة، وهو ما تحقق في هذا النص، فالنوّاف استغلت الطابع المرن للقصة القصيرة الذي يعطي للكاتب حرية الحركة ولا يلزمه بأي نسق بنائي، سوى تحقق عنصر الدرامية في الحدث الذي تمر به الشخصية، فلم تلتزم بالبنية التقليدية من مقدمة وعقدة ونهاية، بل عمدت إلى التقاط مشهد أو حدث واحد، وصنعت من خلال اختراقه إلى مشهد من الذكرى سلسلةً من ردود الفعل النفسية والتذكرية . . كان للخيال فيها دور كبير، وكشف التقابل بين المشهدين صراعاً درامياً داخلياً كان له فاعلية حاسمة في خلق الدهشة والتوتر الباعثين على التفكير والتساؤل، ولم تكن اللغة بمنأى عن ذلك التوتر، فقد وفقت الكاتبة في أحيان كثيرة في اختيار المفردة المناسبة، وبلغت مستوى من الشاعرية في بعض مواقع من النص تلك غاية من غايات النص الأدبي، كما تدل على أن الإبداع ليس شيئا آخر سوى القدرة على التقاط الومضة الكاشفة للحظة الدرامية، التي تعمق الإحساس بالتجربة الإنسانية وتستقصي أبعادها، وتأليف بناء بديع حول تلك اللحظة من خلال لغة قادرة على التعبير عن تلك الدرامية .
رغم تلك المظاهر الجمالية فلا بد من الإشارة إلى بعض الأخطاء اللغوية الواردة في هذا النص، وهي وإن كانت قليلة إلا أن جمالية النص لا تقبل نقصاً، وعلى الكاتبة أن تجتهد في تلافي مثل تلك الأخطاء، فقد استخدمت عبارة تحيد بينه وبين، والصواب تحول بينه وبين، وأما حاد فيتعدى بالباء “يحيد به عن الطريق”، كذلك: “هي نعم القهوة” فالأصح “نعم القهوة هي” “تواصل بين المحبين” فالأصوب “تواصل بين الحبيبين”.
الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق