أفق
سيبقى الأدب للكلمة
آخر تحديث:الجمعة ,24/09/2010
محمد ولد محمد سالم
شهدت بعض جلسات “ملتقى الشارقة للسرد العربي” الذي اختتم أعماله يوم الاثنين الماضي معالجات ركزت على القصة التفاعلية والأدب الترابطي بشكل عام، وقدم الروائي محمد سناجلة تصوره للأدب الترابطي، وسناجله كاتب أردني رائد في مجال الأدب التفاعلي، فهو أول من كتب رواية تفاعلية أو ترابطية كما يحب أن يسميها، وكانت بعنوان “شات” ثم أتبعها برواية “صقيع” وكانت تلك هي الانطلاقة لكتابات متعددة تنحو هذا النحو في مجال الرواية والقصة القصيرة والشعر .
وقد عرّف سناجله الأدب الترابطي بأنه الأدب القائم على تقنيات الكمبيوتر والإنترنت في بناء نص أدبي، أي استخدام الوسائط المتعددة من صورة وصوت وفيديو وغرافيك وروابط ألكترونية لصناعة خطاب تشكلّ الكلمة جزءاً منه، وليس كله، وهذا الخطاب أو “النص” إذا جاز التعبير مزيج من جميع الأجناس الأدبية، يستعصي على التصنيف، فلا يمكن إخضاعه لجنس أدبي واحد . وكاتب هذا النص لا بد له أن يكون مطلعاً على طرق استخدام تلك الوسائط المتعددة، فيعرف كيف ينقل الصورة ويتصرف فيها وكيف يسجل الصوت ويؤلف مشهد فيديو، وكيف يقيم ارتباطات تشعبية بين مختلف تلك الوسائط، كما يفترض أيضاً أن يكون له حس في مجال التصوير وكتابة السيناريو وصناعة مشاهد الفيديو ومهارات في فن التصميم، وتأليف المقاطع الموسيقية .
كم هو حجم المعارف التي ينبغي لهذا الكاتب المسكين أن يعرفها، إضافة إلى المعارف الأدبية المتشعبة التي يقضي الأدباء العاديون أعمارهم في تعلمها، وهل يقف عند مجرد محو الأمية التقنية، وتعلم ما يلزم عامة الناس من معرفة الكمبيوتر والإنترنت مما يخولهم الاستفادة منهما في مختلف أعمالهم، أم يتعلم البرمجة والتطبيقات والتقنيات الجديدة التي يحتاج إليها المبرمجون والمحاسبون والمهندسون وغيرهم .
وما هي حدود ذلك التعلم حين تصبح تلك التقنيات جزءاً من الإبداع ومكونا أصيلا من مكوناته، أليس عليه أن يجمع دبلومات كثيرة ويغوص في أعماق هذا العلم كي يستطيع أن يبدع فيه .
إن تحويل الكاتب إلى مبرمج كومبيوتر ومتخصص شبكات إنما هو ضرب من الرَّهَق، وتكليف ما لا لزوم له ولا يخدم الأدب في شيء، كما أن هناك حقيقة راسخة في كل تاريخ البشرية وهي أن الأدب “كلمة” قبل أن يكون أي شيء آخر، فإذا كان لكل علم أو فن “مادة” خامٌ هي التي يتأسس عليها فإن خامة الأدب هي الكلام، وكل محاولة لإدخال مادة أخرى في الأدب هي خروج بالأدب عن طبيعته إلى طبيعة جديدة مغايرة له، كما تخرج المواد الكيميائية عن طبيعتها عند مزجها، وليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها الأدب استقلال فنون بعدما امتزجت الكلمة فيها بمكونات أخرى مثل الغناء والمسرح والسينما، فلن تعدو هذه المحاولة الجديدة - إذا كتب لها النجاح- أن تكون من هذا القبيل وتستقل بنفسها ويبقى الأدب للكلمة .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق